اعتداء اسطنبول ... حلقة من حرب استخباراتية

الأحد 08 كانون الثاني 2017

خاص- نانسي صعب

لا تكاد تركيا تستفيق من صدمة أمنية وسياسية حتى تقع في أخرى. صحيح ان الاستقرار غاب عن البلاد منذ ثلاث سنوات، فالدولة التي أصابتها النيران السورية عبر عنواني الأكراد وداعش، شارفت على دخول منعطف انهيار سريع لولا فشل المحاولة الانقلابية العسكرية التي قامت بها مجموعة من الضباط الاتراك في 15 تموز 2016. إلا ان حملة التوقيفات الواسعة التي طالت عشرات الآلاف بين عسكريين وقضاة واساتذة وحتى مدنيين على خلفية اتهامهم بالارتباط بالداعية فتح الله غولن، لم تنجح على ما يبدو بتحقيق أهداف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان باستعادة سيطرة حزب العدالة والتنمية واحكامها على مفاصل الدولة.

 

وإذا كانت التفجيرات المتكررة والمستمرة قد صارت من يوميات المشهد التركي، فإن صدمتين كبيرتين وخطيرتين قد عاشتهما تركيا وبفارق أيام، لا تندرجان في نطاق عمليات حزب العمال الكردستاني الذي بات المتهم في أي اعتداء يطال اهدافاً أمنية وعسكرية تركية.

في 19 كانون الاول، كتب للسفير الروسي في أنقرة ان يُغتال برصاص رجل الأمن التركي الذي كان يواكبه بدم بارد قبل ان يُردى القاتل بدل توقيفه لاستجوابه ومعرفة الجهة التي تقف خلف العملية. ليكون المشهد المروع بعد ساعة واحدة على بداية العام 2017.

مجزرة ملهى "لا رينا" في اسطنبول، لا تزال بعد أسبوع على وقوعها تتصدر العناوين التركية. صحيح ان تنظيم داعش الارهابي تبنى العملية، لكن تحليلات الصحافة التركية تذهب أبعد من ذلك، ولا تنظر في غالب الأحيان الى داعش كأكثر من أداة، في حال تورطه فعلاً. ولا يقف الامر عند حدود التحليلات الصحافية بل يتخطاه الى تصاريح مباشرة من مسؤولين في حزب العدالة والتنمية توجه اصابع الاتهام الى الولايات المتحدة الاميركية. ما يعني ان شكوك السلطات التركية تنظر الى مجزرة ملهى "لا رينا" كاستكمال للمحاولة الانقلابية في تموز الماضي. يومها وصل الاتهام الى الدولة العظمى لايوائها فتح الله غولن الذي اتهمه حزب العدالة والتنمية بالوقوف خلف الانقلاب، ورفضها تسليمه الى تركيا. هذا التوجه عكسه كلام مستشار الرئيس التركي يغيت بولوت الذي قال "إن الولايات المتحدة ستدرك ولو متأخرة خطر جماعة فتح الله غولن عليها بعد العمليات التي تجري في تركيا." ما يعني اتهاماً ضمنياً لفتح الله غولن وعبره للدولة حيث يقيم بمجزرة "لا رينا".

النائب في حزب العدالة والتنمية شاميل طيار، ذهب الى الاتهام المباشر فغرّد عبر حسابه على تويتر ما حرفيته أن "بمعزل عمن نفذ هذا الهجوم فإن جهازاً كبيراً هو جهاز الاستخبارات الاميركية CIA هو المتهم بالعملية، إذ لا يمكن ان يقوم بهذا الاعتداء إلا جهاز على هذا المستوى." اطلاق هذه الاتهامات احتاج عدة ايام، خصوصاً ان الهجوم بضخامته جاء مفاجئاً ومربكاً، حتى ان الارباك بدا واضحاً في تعاطي الاجهزة التركية مع الواقعة. لكن اتهام فتح الله غولن بقتل السفير الروسي كان سريعاً.

عمليتان وضعتهما السلطات التركية خارج نطاق داعش، لجهة أسلوبها وطريقة تنفيذها. ففي اغتيال السفير التركي كان رجل الأمن الذي يواكبه هو المنفّذ، ما يوحي بحسب الخبراء في الشؤون التركية بأن ذيول التوقيفات في صفوف الامن والعسكر على خلفية الانقلاب الفاشل، عززت نظرية الخرق في الأجهزة الامنية التركية.

اما في اعتداء مهلى "لا رينا"، فالفضيحة الكبرى. تتحدث التقارير الصحافية التركية عن مجموعة من ثلاثة أشخاص بينهم فتاة نفذت العملية، خلافاً للمتداول عن منفذ واحد او في الحد الأقصى تواطئه مع شخص ثانٍ كان موجوداً داخل الملهى. معلومات الصحافة التركية تتحدث ايضاً عن ان المنفّذ الأساسي والذي نشرت صوره وأشرطة مصورة له ليس تركياً، مرجحة ان يكون من آسيا الوسطى، ولم يُلقَ القبض عليه بعد وسط مؤشرات بمغادرته للبلاد. وهنا يربط الخبراء في الشؤون التركية بين هوية المنفذ وارتباطه بجهاز استخبارات كبير قد لا يكون اميركياً وربما يكون عائداً لأي دولة نافذة أخرى. فنشر صوره من جهة، ورمي جواز سفره من جهة ثانية والذي تبين انه مزوّر وعائد لمواطن قرغيزي، يشير الى تشويش مقصود واكب عملية البحث عن منفّذ الهجوم تسهيلاً لمغاردته قبل القبض عليه.

ويشير الخبراء في الشؤون التركية الى ان التحليلات الصحافية التركية تركز على ان حجم عملية ملهى "لا رينا" تحتاج الى محترفين يجمعون المعلومات ويقومون بالتنفيذ بدقة، كما حصل ليلة رأس السنة. فالمنفّذ أظهر حرفية عالية، ويستخدم الخبراء هنا تعبير "اصطياد الضحايا". فهو لم يطلق النار عشوائياً، بل كان هدافاً بارعاً قادراً على قتل كل ضحية على حدى وبرصاصتين على الأقل، ما يعني انه مدرّب تدريباً عالياً، بالاضافة الى كونه قادراً على تحقيق اهدافه حتى في وضعيته المتحركة، كما حصل بقتله رجال الأمن اثناء دخوله الى الملهى وهو يركض.

في الحسابات التركية، لا يمكن ان يكون "العقل الأعلى" لهذه العملية داعش. وان كان بعض المسؤولين في حزب العدالة والتنمية يصوبون باتجاه الولايات المتحدة الاميركية، فإن الخبراء لا يجزمون بذلك، لا بل يتحدثون عن أجهزة استخباراتية أخرى قد تكون ضالعة بالعملية. لكن نقطة الالتقاء تبقى ان اعتداء اسطنبول ربما يكون حلقة في حرب استخباراتية لها اهداف تتخطى حزب العدالة والتنمية وتركيا حتى.

 

إضافة تعليق