بعد Brexit ترامب رئيساً: خريطة عالمية جديدة؟

الخميس 10 تشرين الثاني 2016

خاص- نانسي صعب

الغرابة التي رافقت حملتي الانتخابات الرئاسية الاميركية تحولت صدمة بنتيجتها. فوزيرة الخارجية السابقة والسيدة الاميركية الاولى قبلها، كسرها ملياردير لا يملك اي خلفية سياسية. دونالد ترامب الرجل الاكثر اثارة للجدل، يسجل تاريخاً في التاريخ الاميركي بوصوله الى البيت الابيض. الرجل الذي حمل خطابه العنصري ليجتاز اول عتبة وينجح بأن يكون مرشح الحزب الجمهوري، غلب السياسية المخضرمة التي شكلت حقبتها على رأس الديبلوماسية الخارجية أسوأ ادارة للملفات الخارجية، لا سيما الشرق اوسطية والتي ساهمت في تعزيز موقع تنظيم داعش الارهابي بدلاً من القضاء عليه.

ربما لم ينسَ الاميركيون التسجيل المسرّب لكلينتون التي تعلن فيه جهارة ان الادارة الاميركية هي التي خلقت تنظيم القاعدة. نفسه تنظيم اسامة بن لادن المسؤول عن أحداث 11 ايلول. لكن ما الذي دفع الاميركيين الى التصويت لخيار ترامب الذي اعتمد خطاباً عنصرياً لاذعاً، والذي اعاد احياء غريزة الحقد بين البيض والسود، وامتلك نظرة دونية للاتينيين والمسلمين؟ يبدو جلياً ان الرئيس الذي افرزه الصوت الاميركي لا يعدو كونه تعبيراً عن ثورة شعبية على الادارة الاميركية في سياستيها الداخلية والخارجية. هذا بالاضافة الى اخفاق الاعلام الاميركي بصورة خاصة والغربي بشكل عام في قراءة توجه الرأي العام الاميركي والتغير الذي طرأ على افكاره وتطلعاته، فآثر على اظهار ما هو مغاير للحقيقة لمجرد تفضيله فوز المرشحة الديمقراطية على "المجنون الجمهوري" كما كان يصفه، وهو رفض حتى اللحظة الاخيرة، اعلان فوز ترامب قبل انتهاء عملية الفرز بالكامل. وبعيداً عن هذا المشهد الأميركي الداخلي قد لا يهتم العالم وتحديداً الشرق الاوسط الى أكثر من انعكاس وصول ترامب الى البيت الابيض على سياسة ادارته تجاه هذه المنطقة الملتهبة.

يقول الاستاذ في قسم العلوم السياسية في الجامعة الاميركية كامل وزنة إن "من المبكر الحديث في هذا التأثير بانتظار اكتمال فريق عمل دونالد ترامب السياسي." لذلك، وبالاستناد الى تصريحات الرئيس الاميركي المنتخب يشير وزنة الى ان "ترامب لا يريد ان يتدخل عسكرياً وان يخوض حرباً في اي بقعة من الشرق الاوسط لأنه يعتبر ان الادارة الاميركية ارتكبت خطأ بدخولها حرب العراق في العام 2003، مع التأكيد ان هذا الامر لا يلغي واقع المصالح الاميركية في الشرق الاوسط او لائحة القضايا التي يهتم لها البيت الابيض في هذه المنطقة من أمن اسرائيل الى نفط الخليج التي تشكل ثوابت في السياسة الخارجية الاميركية."

يعرب وزنة عن اعتقاده بأن "ترامب لن يدخل حرباً في سوريا وان مثل هذا القرار يحتاج الى دراسة خاصة وتقدير مختلف، مع قناعته في الوقت عينه بأن ترامب لن يذهب الى اتفاق مع النظام السوري وإن كان صرّح في وقت سابق إن الرئيس السوري بشار الأسد يحارب داعش."

سيمزّق ترامب الاتفاق النووي في حال وصوله الى البيت الابيض. انه تصريح الرئيس المنتخب قبل أشهر. فهل يفعلها؟ يقول وزنة في هذا المجال إن "الاتفاق النووي مع ايران هو اتفاق اممي وليس ثنائياً بين الجمهورية الاسلامية الايرانية والولايات المتحدة التي قد تذهب الى تمزيقه. لكن في حسابات الدول التي وقعته ان مثل هذه الخطوة قد يكون لها ارتدادها السلبي على الامن والاستقرار، على اعتبار ان توقيع الاتفاق شكل عامل استقرار لمنطقة الشرق الاوسط بالاضافة الى ان ايران لا تعمل على انتاج السلاح النووي." ويلفت وزنة هنا الى ان "ترامب هو اول رئيس أميركي لم يأتِ من خلفية سياسية، وقبله وحده الرئيس الاميركي السابق دوايت ايزنهاور لم يكن مخضرماً في السياسة لكنه اتى من خلفية عسكرية وهو الذي شغل منصب القائد الاعلى للقوات المسلحة، وبالتالي فإن اي قرار بخصوص الاتفاق النووي يحتاج قراراً سياسياً وتنسيقاً مع أجهزة الاستخبارات الاميركية."

في المقابل، روسيا كانت اول المهنئين لترامب بفوزه في وقت شدد الرئيس الايراني على ان وصول ترامب لن يؤثر على الاتفاق النووي. وبعض القراءات السياسية تقول إن اول الرابحين هو فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي. يؤكد وزنة في هذا الاطار ان "الروس ساهموا بنجاح دونالد ترامب بشكل كبير، مرجحاً ان يكون مرشح الجمهوريين الفائز قد طلب من الجانب الروسي فضح قضية البريد الالكتروني لهيلاري كلينتون يوم كانت وزيرة للخارجية الاميركية. ليأتي الموقف الملتبس لمكتب التحقيقات الفديرالي FBI بقرار اعادة فتح التحقيق في هذه القضية قبل أسبوع على موعد الانتخابات للتأكد مما اذا كانت رسائل كلينتون الالكترونية تحوي معلومات سرية." ويضيف ترامب ان "الاميركيين يعرفون الدور الروسي في سوريا باعتبارها حامية لمصالحها كما للنظام السوري. وبالتالي فإن اي اتفاق اميركي مع النظام السوري يجب ان يكون اقليمياً برعاية موسكو، وهو امر لا يحتمل مقاربته حالياً. ففريق ترامب لم يكتمل بعد كما ان ملفات الشرق الاوسط ما زالت ساخنة، اذ لا حسم عسكرياً في وقت قريب إلا إذا وجدت النية لدى الجانبين الايراني والسعودي للذهاب الى تفاوض يأخذ المنطقة الى مرحلة تفاهمات."

القلق الاكبر بعد وصول ترامب يبقى اقتصادياً. فالرجل لم يستلم موقعه بعد ولم يدلِ بقسمه، لا بل لم يكن قد انتهى فرز الاصوات حتى سجل الذهب ارتفاعاً ملحوظاً في مقابل انخفاض ملحوظ في ارقام البورصة. يشير وزنة عند هذا المستوى الى ان "ترامب وعد خلال حملته بتخفيض الضرائب وهو ما سبب حالة رعب شديدة وطرح علامات استفهام حول مصير البنك الفدرالي ودوره وحول امكان رفع الفوائد وتأثيرها في هذه الحال على الاسواق المالية. ويلفت وزنة الى ان تخفيض الضرائب من شأنه ان يزيد العجز علماً ان الولايات المتحدة الاميركية قد راكمت مديونية تقدر بعشرين تريليون دولار اميركي. وبالتالي فإن نتيجة اي سياسات غير مسؤولة ستكون حتماً اضعاف الولايات المتحدة اقتصادياً."

عام 2016، هل ينتهي الى رسم خريطة جديدة من العلاقات الدولية بعد صدمتين كبيرتين اولها خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وثانيها دخول صاحب كازينو الى النادي السياسي العالمي من بوابة البيت الابيض؟

إضافة تعليق