حلب تعيد رسم المنطقة...واعداء الأمس شركاء اليوم لدحر داعش

الجمعة 09 كانون الأول 2016

 خاص-نانسي صعب

بين مغادرة باراك اوباما للبيت الأبيض ودخول دونالد ترامب اليه، حُدد توقيت المعركة الاستراتيجية في حلب. في الفترة الانتقالية ما بين عهد دخل اقسى المفاوضات الديبلوماسية، وعهد ينتظر ان يكون الاثقل بمفاجآته السياسية، سادت لغة المدافع والنيران في العاصمة الثانية لسوريا وفي عمقها الاقتصادي الاستراتيجي.

بعد شهر من القتال، يستعد الجيش السوري وحلفاؤه لاعلان سيطرته على الجزء الاصغر جغرافياً من محافظة حلب، لكن الأهم والشريان الحيوي للمحافظة، كونه يضم مدينة حلب. مشهد اثار ارتياح المراقبين الذين يرون في معركة حلب مفتاح الحل السياسي النهائي.

القضم وعزل القرى واستنزاف المسلحين عسكرياً كما لوجستياً، استراتيجية نجح تطبيقها في استعادة حلب من سيطرة المسلحين، بعدما استفادت روسيا من تجربتيها في افغانستان وشيشانيا. بنتيجة هذه المعركة، تراجع الغرب عن تمسكه بمقولة ان لا حل سياسياً في ظل وجود بشار الأسد على رأس السلطة. حيث يبدو ان كل الاطراف بات يسلّم بأن الأسد باقٍ اقله حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2021. ولعلّ ابرز المؤشرات جاء في تصريح الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب الذي لفت الى ان "الاولوية الاميركية هي لدحر داعش لا لإسقاط الأسد." وعلى رغم نفي الادارة الاميركية الحالية التي تسلّم البيت الابيض مع بداية العام 2017، وجود اي اتفاق اميركي – روسي حول حلب، تؤشر عودة الاجتماعات بين وزيري الخارجية الاميركية والروسية الى العكس.

فالولايات المتحدة في عهد اوباما تبدو ضعيفة لدرجة خشيتها من اعلان اي اتفاق مع الجانب الروسي. فهي في العلن تتراجع عن الاتفاق، لكنها في الكواليس الديبلوماسية والغرف المغلقة تطالب عبر مبعوثيها بانهاء الملف السوري، خصوصاً ان اللا اتفاق الاميركي – الروسي يفتح المجال واسعاً امام اتفاق اوروبي مع الدب الروسي يخرجها من المعادلة. ليست الولايات المتحدة وحدها من اقتنع بالزامية الشراكة للحل في سوريا. فهذه القناعة انتقلت الى دول مجلس التعاون الخليجي وقبلها الى تركيا.

في حلب تخطى الامر المصالح التكتية الى التوازن الاستراتيجي،وفق المراقبين، لتنعكس ألاحداث في هذه المدينة على كل منطقة الشرق الأوسط. ولذلك، يُقرأ تطور المواقف بين سطوره. فدول مجلس التعاون الخليجي في اتفاقها مع الجانب الروسي، لا تعارض الحل السياسي، لا بل وافقت على الدخول في التسوية في سوريا في ظل بقاء الأسد على رأس السلطة. حتى انها حصرت مشاكلها مع ايران دون سواها في البيان الختامي لقمتها، وحددته بالخلاف بين طهران وابوظبي حول الجزر الثلاثة طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة ابو موسى. لكن كيف وافقت دول الخليج على تسوية لا تبعد الأسد؟ إذا كان الرئيس السوري باقياً في سدة الرئاسة السورية، فالتحضير في المقابل جارٍ لادخال مكونات المعارضة التي توافق على الدخول في التسوية السياسية، بالاضافة الى اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. اما دخول مكونات المعارضة في التسوية فسينطلق من الادارات المحلية. حتى الآن دخل أكثر من 1100 قرية سورية نظام المصالحة، وهو اعتراف غير مباشر بالحكومة السورية من قبل الفصائل التي سلمت سلاحها. وبنتيجة المفاوضات غير الرسمية، ستتمتع الادارات المحلية بامتيازات تسهّل في عملية تصاعدية الانتقال منها الى الحكومة المركزية السورية.

وربما تكون التباينات بين اعضاء مجلس التعاون الخليجي حول أكثر من ملف، قد ساهمت في دخولها هذه التسوية والاجتماع على خلافها مع ايران والمتعلق بجزء كبير حول المصالح الاقتصادية وشكل الاستثمارات ومراكزها. يدور الحديث في هذا الاطار، عن نفوذ خليجي وازن في منطقة المشرق العربي وشمال افريقيا في مقابل تمدد النفوذ الايراني باتجاه آسيا، انطلاقاً من الرهان على نجاح الادارة الاميركية الجديدة في تشديد الضغط على ايران عن طريق العقوبات في الملف النووي، بما يدفع الجمهورية الاسلامية الى تقديم التنازلات.

عربياً، مصر دخلت في التسوية وتستعد لارسال مهندسين في الجيش المصري خلال الايام المقبلة الى حماة وحلب وحمص وقاعدة تيفور، وهم موجودون اصلاً في قاعدة حميميم السورية الروسية المشتركة. أكثر من ذلك، يتحدث المراقبون عن قرار مشترك بين سوريا، مصر، ليبيا والعراق لتنسيق العمليات ضد الارهابيين، بما يترك امام هؤلاء خياراً من اثنين: فإما أن يخرجوا من هذه الدول الى وجهة اخرى يحددونها، وإما ان يستمروا في القتال حتى القضاء عليهم. ما يعني ان ادلب الخاصرة الرخوة المحيطة بحلب والمتاخمة للحدود التركية ستكون مقبرة الارهابيين. اما الرقة فمتروكة الى ما بعد تسلّم ترامب لمقاليد السلطة، وهي ستكون جزءاً من التعاون الاميركي – الروسي من ضمن التفاهمات المعقودة بين الجانبين، وسط تأكيدات ان المملكة العربية السعودية ستكون شريكاً اساسياً في عملية تحرير الرقة.

تركيا كانت سباقة في استيعاب تطور الاحداث السورية، وخصوصاً بعد المحاولة الانقلابية التي دفعت رجب طيب اردوغان الى السعي للاتفاق مع الجانب الروسي، لا بل اكثر من ذلك، فالامور بين الجانبين يمكن اختصارها بتنسيق امني وسياسي على مستوى استراتيجي. وهو ما يفسّر مثلاً تراجع اردوغان قبل اسبوع عن تصريحه حول ان الدخول التركي الى سوريا جاء لانهاء الأسد. وهذا الامر بذاته يشكل عاملاً مهماً لافتاً، فأن يتراجع اي مسؤول في سلطة ما وارد، اما تراجع رئيس الدولة فنقطة تحول بذاتها. ويرى المراقبون ان المشهد الحالي في حلب قد لا يكون بعيداً عن مدن رئيسية اخرى في درعا او دير الزور او الحسكة او القامشلي. والاهم ان هذا التعاون ينطلق من وحدة الاراضي السورية، بعد فشل مشروع تفتيت الشرق الاوسط في سوريا وقبلها في العراق، مع تيقن جميع الأطراف، والجانب التركي بصورة خاصة، ان اي تفكيك او تقسيم لسوريا سيؤدي حكماً الى تفكيك تركيا وكل المنطقة العربية، وهو ما تخشاه تركيا التي عادت، بعد فشل المحاولة الانقلابية، الى سياسة المحافظة على ما لديها بدل المجازفة في مشاريع توسعية لا تبدو قابلة للتحقيق.

انتهت الحرب في سوريا يقول المراقبون، وبقيت معركة ملاحقة فلول الارهابيين قبل الوصول الى حل سياسي نهائي. سوريا اسقطت مشروع الشرق الاوسط الجديد وفتحت الباب لنظام عالمي جديد  بدأ مع وصول ترامب الى البيت الأبيض ولن ينتهي بهوية الرئيس الفرنسي القادم، من دون ان يكسر قاعدة ذهبية في العلاقات الدولية ان وحدها المصالح الاقتصادية الاستثمارية والاستراتيجية هي محرك كل سياسة وازمة وحل.

إضافة تعليق