في رحلة العودة الى بيروت...الناجون يروون لحظات الرعب في ملهى "رينا"

الخميس 05 كانون الثاني 2017

خاص- ادمون ساسين

لا داعي أن تسألهم ما الذي جرى؟ في عيونهم ترى كل مشاهد الصدمة والمسلسل الارهابي المرعب الذي عاشوه لدقائق طويلة، وفي صوتهم غصات وغصات تختصر كل الآلام التي شعروا بها وهم ينتقلون في لحظات من ثقافة الحياة التي قصدوها الى ضفة ثقافة الموت التي غدرت بهم من دون أن يدروا أو يفهموا ما الذي يجري وما الذي ارتكبوه حتى يطاردهم مسلح أو مسلحان أو أكثر.

مصدومين بقوا طوال الرحلة. طاردتهم مشاهد المجرزة الارهابية في ملهى رينا في اسطنبول وهم في طريق العودة الى بيروت مع رفاق وأزواج وأقرباء لم يجلسوا معهم على مقاعد الطائرة العائدة كما كان الوضع في رحلة السعي نحو الفرح في اسطنبول. كانت زوجة هيكل قوية ثابتة على مقعدها تنتظر اشارة الانطلاق نحو الطائرة. تكاد لا تعرفها بسبب هدوئها بأنها زوجة هيكل الشهيد. فجأة تراها تقاطع أحد الاشخاص الذي تحدث عن ثلاث جثث في الطائرة  لتؤكد له أن هيكل له اسم وليس جثة. تكمل هنا إخبار الحاضرين  باللوعة التي عاشتها والتي أضافت الى ألم خسارتها زوجها بعد أشهر قليلة من الزواج آلاماً مضاعفة. فالسلطات التركية أخبرتها أولاً أنه نجا وأنه موجود في التحقيق ويحتاجون الى جواز سفره أو صورة عنه. لم تخبرها السلطات التركية بأنه مصاب مثلاً باصابة خطيرة حتى تتحضر نفسياً بل خدعوها وأخبروها أنه على قيد الحياة، علماً أن الحقيقة كانت في مكان آخر مظلم لم تعد قادرة على الوصول اليه. وعند لحظة الانطلاق انهارت بالبكاء وسألت رفيقتها وزوجها لماذا أتينا أربعة ونعود ثلاثة؟

كان الناجون على متن الطائرة مصدومين كما الجرحى. كانوا يتذكرون لحظات الرعب التي أصابتهم أو نجوا منها. أنا من الشمال تقول احدى السيدات، كنت مع زوجي على طاولة في الجهة البحرية للملهى الليلي  وعندما سمعنا اطلاق النار داخل الملهى هربنا وسرنا على ما يشبه السنسول الخشبي في البوسفور ثم تسلقنا الى مكان آخر ونحن ما زلنا نسمع أصوات الرصاص تقترب منّا.

أحد الجرحى يقول بصدمة ان جثة أحد الضحايا قد سقطت عليه وسال الدم وهو غير قادر على ابعادها عنه خوفاً من عودة القاتل وتصفيته. فالقاتل سواء كان واحداً أو أكثر كان يصمت بعد كل اطلاق نار حتى يظن البعض أنه خرج واذا ما تحركوا أو صرخوا عاد ليقتلهم. هي كمشاهد الرعب التي نشاهدها في الأفلام والتي نعجز أحياناً عن رؤيتها أو تذكرها فكيف اذا كان هؤلاء الضحايا قد عاشوها في شكل حي تحت رحمة قاتل او أكثر لا يعرف معنى الانسانية أو الدين. أما ميليسا الجريحة التي فقدت حبيبها وصديقها إيلي ورديني فكانت حتى لحظة وصولها الى لبنان غير عالمة بحقيقة رحيل ايلي عنها ولم تكن تعلم أن احتضان ايلي لها بعد إصابتها لحمايتها من عودة القاتل اليها ستكون الغمرة الأخيرة لأن ايلي قتل في لحظتها ولم يقتل في البوسفور هرباً.

في القصص التي أخبروها ثمة تساؤلات وتساؤلات عن أسباب ما جرى. فالملهى كان مهدداً وتحذيرات أمنية كانت سبقت ووردت الى السلطات التركية عن تهديد محتمل لملهى رينا. والملهى معروف بدقة التفتيش التي تحصل على أبوابه وأعداد رجال الحماية والأمن الخاص الموجودين على أبوابه في داخله. والتساؤلات التي طرحت من قبل الناجين والجرحى كانت تقول ان غياب الشرطة التركية من أمام ملهى معروف ومهدد في ليلة رأس السنة أمر غريب خصوصاً أن الأمن الخاص ممنوع عليه حمل السلاح. والتساؤل الأخطر هو بقاء القاتل لدقائق طويلة داخل الملهى وتغيير ثيابه ورحيله من دون أن تحضر الشرطة التي لديها نقاط عدة قريبة من المكان الذي وقعت فيه المجزرة. والسؤال الرئيس هو حول التضارب الكبير بين إفادة معظم الناجين والجرحى الذين قالوا ان التنفيذ تمّ من قبل أكثر من شخص وبين الشرطة التركية التي تتحدث عن شخص واحد نفّذ العملية. واللافت حتى الآن أن القاتل لم يتم توقيفه على الرغم من طبيعة ما ارتكبه والتعرّف الى هويته ونشره صور وسيلفي وفيديو وتوقيف عدد من المشتبه بهم.

ليس بالضرورة أن تكون التساؤلات والأسئلة تصبّ في خانة المؤامرة على مستوى ملهى أو أكبر من ذلك، لكن ثمة ما يشعر بأن ثمة أمراً غريباً وراء ما جرى ينطلق من طبيعة العملية ومدتها وهروب المنفذ والتضارب حول عدد المنفذين وإمكان هرب المنفّذ الى خارج تركيا. كلها أمور لا تبدل بمشهد الحزن والألم وخسارة الأحبة بشيء لكنها بالتأكيد ستترك الكثير من التداعيات.

إضافة تعليق