مذ طلب الوزير السابق محمد الصفدي سحب اسمه من التداول لرئاسة الحكومة في 16 تشرين الثاني، دخلت البلاد في جمود مطبق. لا دعوة الى استشارات نيابية ملزمة هذا الاسبوع، ولا احد من الافرقاء المعنيين في وارد التقدم بأي حل جديد، ولا يملكه حتى في معزل عن الآخرين كي يفرضه. بالكاد صمد ترشيح الصفدي ثماني واربعين ساعة قبل ان ينفجر الخلاف عليه ومن حوله: الشارع رفضه، والحريري اخفق في توفير اجماع سنّي عليه من دار الافتاء ونادي رؤساء الحكومات السابقين او ربما لم يتحمس لذلك. تأييد رئيس الجمهورية ميشال عون هذا التكليف لم يوفّر له مناعة الاستمرار، فيما ساعد ثنائي حزب الله وحركة أمل – بعدما وجد نفسه مرغماً على القبول بالصفدي – على تعطيل مهمة الرئيس المكلف المحتمل، من غير ان يتسبب هو في اخراجه مباشرة. تبعاً لذلك اوصدت الابواب مجدداً، وباتت الاستشارات النيابية الملزمة مؤجلة وقتاً اضافياً، على الاقل لن تحدث هذا الاسبوع.
عودة الجميع الى الصفر لا تبدّل في واقع مشكلة كأنها باتت غير قابلة للحل من الداخل، وربما تحتاج الى أزر من الخارج، بالاستناد الى بضعة معطيات، منها:
1 ـ يُخطىء مَن يعتقد ان الحريري فكّر للحظة في التخلي عن رئاسة الحكومة والخروج من السرايا في ظروف، قد لا يساعده تطورها في المستقبل على العودة اليها بالسهولة المتوخاة. بقاؤه فيها جزء لا يتجزأ من التسوية الرئاسية التي لم يقل حتى الآن بعد انه خرج منها، ولا نعاها. غالباً ما اشتبك مع شريكه فيها الوزير جبران باسيل، بحدة كسجالات هذه الايام وربما اكثر، غير انه لم يوحِ مطلقاً بعزمه على التخلص من تسوية 2016. أكثر الصفقات كلفة التي ابرمتها الحريرية السياسية منذ عام 1992، سياسياً وشعبياً. الاحرى ان لا يفعل، ولا يفعل ايضاً باسيل، وهما يرقدان فوق ثروة محتملة من الغاز والنفط والكهرباء في اضعف الايمان.
2 ـ يخطىء ايضاً من يعتقد ان رئيس الجمهورية والثنائي الشيعي يقبلان بانسحاب الحريري من المأزق الذي تتخبط فيه البلاد، سياسياً ونقدياً واقتصادياً، وان يُعدّ نفسه مذ عزا ـ او تذرع بأنه يعزو ـ استقالته الى استجابة مطالب الحراك الشعبي والوقوف الى جانبه. لم يقل الشارع ان الحكومة مشتبه بها وفاسدة، فيما رئيسها براء من اي تهمة يوجهها اليه. تالياً الحكومة ورئيسها يتساويان في ركوب هذا الزورق المشتبه به. للسبب نفسه قال الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله انه لن يسمح لأي احد من المسؤولين بالهروب من الازمة والتنصل منها. عملاً بتطابق غير طبيعي وغير مألوف بين الحراك والحزب، فإن الحريري جزء لا يتجزأ من «كلن يعني كلن»، لكنه ايضاً جزء اساسي وصلب في حقبة قيل الكثير الكثير عن موبقاتها، وليس لأحد ان يتخلص نفسه منها فجأة.
3 – وضع رئيس الحكومة المستقيلة نفسه في قفص وألقى مفتاحه بعيداً منه. لا يرغب في فقدان منصبه في السرايا، ويريده لكن تبعاً لشروط يراها الثنائي الشيعي مستحيلة وغير واردة في حسبانه. في الوقت نفسه يريد الحريري الايحاء بأن ثمة مَن يستطيع ان يخلفه في رئاسة الحكومة مشترطاً عليه ـ كما على الشركاء الآخرين في هذا التفاهم ـ ان يسمّي هو الوزراء السنّة وطلب الابقاء على حقيبة الداخلية لديه وسمّى لها حتى اللواء المتقاعد ابراهيم بصبوص. مع ذلك ثمّة من ظنّ – عن حسن نيّة او عن سوء نيّة ربما – ان قبول الحريري بالصفدي لرئاسة الحكومة لا يعدو كونه مناورة محبطة سلفاً وسيقابله الحراك الشعبي بالنفور والرفض، وهو ما حصل تماماً، كي يتيقن الآخرون من حتمية عودة الحريري ـ وهو ما طلبه منه بإصرار الرئيس نبيه برّي وحزب الله ولا يزالان ـ لكن بشروطه هو. في سبيل ذلك اضحى الرجل عالقاً في ذلك القفص الذي يملك مفتاحه الثنائي الشيعي: من دون هذا الثنائي لا يخرج من القفص، ومع الثنائي لا يؤلف الا الحكومة المطمئنة له.
وضع الحريري نفسه، في الوقت غير الصائب، في معادلة لم يسبقه اليها الا والده الراحل في عزّ صعوده في الحكم ما بين عامي 1992 و1998، على انه الوحيد القادر على المحافظة على الاستقرار الداخلي بشقيه السياسي والاقتصادي. صحّ ذلك الى حد بعيد. يعيد الحريري الابن ومعاونوه القريبون صوغ معادلة قريبة تفضي الى الخلاصة نفسها: ليس «انا او لا احد» فحسب، بل «انا فقط». في مسيرة الرئيس الاب الراحل حُجب عن الواجهة معظم رؤساء الحكومات السابقين، وفقدوا من خلاله والعلاقة الوطيدة التي جمعته بالسعودية وسوريا في آن كظهيرين صلبين له، اي دور جدي لهم. لم يصل اي منهم الى السرايا الا عندما كان الحريري الاب يعتذر عن عدم ترؤس الحكومة، كالرئيسين سليم الحص عام 1998 وعمر كرامي عام 2004. مع الحريري الابن وصل الى السرايا ثلاثة رؤساء حكومات، بعضهم اكثر من مرة كالرئيسين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة، وبعضهم مرة واصبح مرشحاً محتملاً دائماً كالرئيس تمام سلام، ناهيك بالاحدث بينهم كالصفدي الذي اوشك على الانضمام الى هذا النادي.

4 – ليس خافياً ان الحريري تحضّر جدياً لترؤس الحكومة مجدداً، وذلك ما عناه تواصله مع مسؤولين سعوديين من اجل الحصول على دعم مالي لتعويم الاقتصاد اللبناني والعملة الوطنية الى حد اقتراح خمسة مليارات دولار. الجواب الذي تلقفه ممن راجعه نقلاً عن «طويل العمر»، بعد رفض الطلب، ان عليه – هو الذي ذهب الى المملكة قبل ثلاث سنوات لاقناعها بالموافقة على دعم انتخاب الرئيس ميشال عون وتطمينه اياها رغم معارضتها الى ان في وسعه سلخ الرئيس عن حليفه حزب الله – ان يحل مشكلته بنفسه. اشارة ذات دلالة الى ان احداً ما في الخارج، بمَن فيهم الاقربون، لا يريد الاقتراب من المأزق اللبناني الحالي.
5 – بسبب تعثّر الوصول الى تفاهم على الرئيس المقبل للحكومة الجديدة ومواصفاتها وتوازناتها، لا استشارات نيابية ملزمة. تالياً فإن وقتاً طويلاً سيمر على حكومة تصريف الاعمال من اجل هدف واضح ومحدد بات جلياً في تصوّر الثنائي الشيعي، هو ان على الحريري الاستمرار في تحمّل المسؤولية السياسية والدستورية عن وطأة المأزق الحالي الذي يتحمله الآخرون في الطبقة الحاكمة. ناهيك بأن شريط هذا المأزق يصعد في التاريخ الى العقود الثلاثة المنصرمة، وليس الى السنوات الاخيرة فحسب. البعض المطلع تحدث عن احتمال اجراء الاستشارات النيابية الملزمة الاسبوع المقبل دونما الوصول الى تأليف الحكومة، والابقاء بذلك على حكومة تصريف الاعمال كي تظل في قلب المشكلة والمسؤولية. قيل ايضاً ان الاسم المرشح للتكليف هو الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف وليد علم الدين، وكان في لائحة الاسماء التسعة (تمام سلام ومحمد الصفدي ووليد علم الدين واسامة مكداشي وفؤاد مخزومي وجواد عدره وفاطمة الصايغ ومحمد الصايغ ونواف سلام) التي ناقشها الحريري مع حركة أمل وحزب الله وباسيل في جلسة 14 تشرين الثاني التي استقر عليها اسم الصفدي.