مجارير البحر والأنهر... هدر بأشكال مختلفة

الخميس 29 تشرين الثاني 2018

خاص- ادمون ساسين

 

الدول عادة تقاتل من أجل مصالحها الحيوية وغالباً ما تنشأ حروب وأزمات من أجل تحقيق هذه المصالح. الثروات النفطية، المياه، المواقع الاستراتيجية كلها أولويات في سلم السياسات التي ترسمها الدول وتقاتل وتصارع من أجلها. وحده لبنان شكل في السنوات الأخيرة حالة استثنائية في هذا المجال. البلد الذي لا يملك حتى الآن ثروات نفطية ولا صناعات رائدة ولا محاصيل زراعية ضخمة، البلد الذي يعيش على الخدمات وخصوصاً الخدمات السياحية انطلاقاً من ببيئة وطبيعة جعلتاه في مدار الحسد، يعاني تدريجياً من فقدان هذه المميزات بسبب السياسات التي دمرت بيئته وطبيعته على الرغم من الكلفة الضخمة التي كان من المفترض أن تحميها وتحصنها وتطورها تماماً كما تفعل الدول الأخرى للاستثمار السياحي فيها.

المشاهد التي نراها من مجاري الأنهر حيث ترمى النفايات والمجارير الى مصبات المجارير في البحر اللبناني ليست دليلاً على التلوث وحسب، بل على التدمير المنهجي لأهم ثروات لبنان التي كان بالإمكان الاستثمار فيها لإدخال مليارات الدولارات الى البلد سنوياً. من يذهب (اللبنانيون بالآلاف يومياً في فصل الصيف) الى المدن التركية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط أو الى جارتنا القريبة قبرص أو اليونان يعرف تماماً حقيقة هذا المثال. فالبحر الأبيض المتوسط هناك ومجاري الأنهر هي قبلة السياحة للملايين من أوروبا وباقي دول العالم. المياه محمية من التلوث ومن رمي النفايات والمجارير فيها، هذه المياه التي نملك نفس مصدرها تدخل مليارات الدولارات الى تركيا واليونان وقبرص أما لبنان فالمساحات التي لم تحتكرها المصانع والمعامل والمنتجعات السياحية تدمرها المجارير التي تصبّ قربها أو فيها.

المؤسف أن لبنان وبحسب أرقام مجلس الإنماء والإعمار دفع 745 مليون دولار على مدى 25 عاماً لإنشاء 22 محطة تكرير ومحطات ضخ وشبكات صرف صحي. لكن رغم الكلفة العالية والمرتفعة فإن سبعاً من هذه المحطات لا تعمل حتى الآن ومحطات أخرى لا تصل اليها المجارير المفترض أنها أنشئت من أجلها بسبب عدم تشغيل محطات الضخ أو إنشاء شبكات الصرف صحي. النتيجة أن لبنان دفع 745 مليون دولار لتبقى المجارير عائمة في بعض الطرقات أو تصبّ في البحار أو يدفع المواطن فواتير يومية لسحب الجور الصحية لترمى بعدها في البحر طبعاً. النتيجة أن البحر أصبح محطة مجارير بفروع مختلفة. فمئات الملايين من الدولارات التي دفعت هدرت، يضاف اليها كلفة تدمير البيئة وكلفة الخسارة السياحية المتكررة سنوياً فيما لو استخدمت المساحات الملوثة في السياق السياحي الصحيح.

ففضيحة مجرور الرملة البيضاء لم تسلط تداعياتها الضوء على بيروت فحسب. محطات الضخ التي لا تعمل لتوصل مجارير العاصمة الى محطة الغدير لتكريرها تجعل محطة الغدير هدراً حقيقياً عندما يغرق المواطن بالمجارير أو تصب هذه المجارير على شواطئ العاصمة. محطات أخرى في لبنان لم تنشأ شبكاتها أو لم تشغل محطات الضخ أو تأخر إنشاؤها. لا فرق، النتيجة أن محطات التكرير التي كلفت مئات الملايين لا تقوم بالهدف الذي من أجله أنشئت. وأكثر من ذلك فإن مدير عام وزارة البيئة قال أمام الوزراء المعنيين والنواب في لجنة الأشغال العامة والنقل إن أي نقطة مياه في لبنان لا تكرر وفق المواصفات العالمية والوطنية وبالتالي فإن مياه المجارير لا تكرر في شكل يمكن إعادة استخدامها للري الزراعي أو لاستخدامها في وجهات بديلة مشروعة.

نحن أمام هدر حقيقي في هذا القطاع. هدر يبدأ من الأموال التي دفعت من دون تحقيق الأهداف المطلوبة وهي وقف رمي المجارير في الأنهر والبحر وتكريرها لإعادة استخدامها ولا يتوقف عند الهدر الناجم عن كلف الفاتورة البيئية وكلف الإستثمار السياحي المفقود نتيجة تدمير البيئة ومصادرة الشاطئ.

إضافة تعليق