نكبة "الأطراف" والعاصفة نورما

الخميس 10 كانون الثاني 2019

 

ادمون ساسين

 

بين المياه التي اجتاحت بلدته السماقية في عكار راح الرجل يسير في طريق البلدة وبين أزقتها وهو يصرخ عن وجع غرق منزله ومحاصيله ومحاصرة المياه لعائلته وأطفاله. سار في البلدة يخبر من يلتقيه أن أثاث منزله اجتاحته العاصفة وعائلته عاشت لحظات رعب منذ الفجر. لم يكن وحده من سار في البلدة ورجلاه على عمق خمسين سنتمتراً في المياه يصرخ وهو يعلم أن أي جهاز لن يحضر الى البلدة أو أي مؤسسة أو وزارة ستأتي الى قريته الحدودية لمشاهدة حجم الكارثة والنكبة اللتين حلتا بأبناء البلدة ومنازلها ومحلاتها. الماشية نفقت، المحاصيل الزراعية غرقت وأتلفت، الطريق لم تعد تستوعب السيارات. حيث يضرب نظرك تشاهد مياه النهر الصغير والنهر الكبير قد فاضت واجتاحت الأراضي الزراعية والطرقات والمنازل محولة العريضة والسماقية وحكر الضاهر الى بحيرة كبيرة يصعب العيش فيها. على طول الطريق النكبة يعبر عنها بمشاهد قاسية. نساء وأطفال ورجال يسيرون في المياه هرباً نحو المسجد أو المدرسة أو منازل في قرى أخرى.

الجرارات الزراعية وآليات الجيش اللبناني عملت على مساعدة المواطنين والنازحين السوريين ونقلتهم الى أماكن آمنة على الرغم من أن المياه لم توفر قاعة المسجد ولا المدارس. دفع النازحون ثمناً كبيراً إذ إن العاصفة لم تترك لهم فرصة البقاء في خيمهم فتحولت المخيمات الى بؤر شبه مهجورة إلاّ من المياه التي سيطرت على كل شيء وظلت تتدفق من دون رحمة. النكبة الحقيقية لأبناء القرى الثلاث والنازحين أنهم يعيشون على "الأطراف" كما يحلو للبعض تسميتها أي في نقاط لا تهتم لها دولة غابت عن هذه القرى لمدة ثلاثة أيام تاركة الساحة للعاصفة نورما التي استبدت بكل ما ينبض بالحياة في تلك المنطقة. شتم المواطنون الدولة ونوابهم والوزراء والأجهزة المعنية وتأكدوا أن تلك القرى لا يمكن الوصول اليها، إلا في فترة الانتخابات النيابية حيث للصوت التفضيلي قيمة تنسى بعد فرز الأصوات. دفع هؤلاء ثمن الإهمال في ساتر النهر الكبير من الجهة اللبنانية. فالجهة السورية بقيت صامدة لأن الساتر الموضوع على النهر سوريا ضخم ومتين وثابت على عكس الساتر اللبناني الذي لم يستر المناطق والقرى الحدودية، وبعض المواطنين هناك تحدثوا عن عدم تنظيف مجرى النهر كما يجب، ما أدى الى عدم تحمل كمية الأمطار الكبيرة التي تساقطت ففاض النهر الكبير ونهر آخر هو نهر التل بيبي وتم الإطباق على القرى الثلاث ومخيمات النازحين السوريين من دون رحمة.

كارثة هؤلاء أن كل ما يعتمدون عليه في حياتهم قد تضرر. فالقرى التي تعيش على الزراعة ضربت محاصيلها من دون رحمة كما أن الكثير من المواشي قد نفق ،وسياراتهم قد غرق بعضها وأضرار محلاتهم ومنازلهم كبيرة. من يعوض عليهم؟ السؤال يبقى افتراضياً وغير واقعي بالنسبة اليهم لأن الدولة أصلاً لم تكلف نفسها عناء التوجه اليهم للوقوف على نكبتهم وكارثتهم وحاجاتهم الأولية لمواجهة تداعيات العاصفة. فهؤلاء لم يعتدوا على مجاري الأنهر حتى يحملوا مسؤولية الكارثة ولم يعتدوا على الأملاك العامة ولم ينهار جدار دعم في قراهم . هؤلاء دفعوا الثمن كعادتهم. تكرر مشهد المأساة عندهم كما في كل عام وإن بفارق ارتفاع المنسوب والأضرار مع قاسم مشترك أكيد وهو أن علاج المشكلة في شكل جذري لم يتم ولن يتم في السنوات المقبلة. نكبتهم أنهم من أبناء القرى الحدودية تصيبهم المأساة من دون أن يسأل عنهم أحد.

إضافة تعليق