بقلم: دافيد عيسى- سياسي لبناني
ثمة ظاهرة مؤسفة تتكرر في حياتنا العامة، وهي أن بعض الناس لم يعودوا يكتفون بمتابعة حياة الآخرين، بل يريدون أيضًا أن يقرروا عنهم كيف يعيشون، ومتى يفرحون، ومتى يحزنون.
وقد وصل الأمر، بكل أسف، في الآونة الأخيرة، إلى مناسبة عائلية يفترض أنها خاصة: زفاف سامر بوصعب، نجل الفنانة الكبيرة والراقية جوليا بطرس بوصعب ونائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب، والذي أُقيم في منزل العائلة في ضهور الشوير، وسط أجواء عائلية جميلة ومليئة بالفرح والمحبة.
كان العرس رائعًا واستثنائيًا بكل ما للكلمة من معنى. غير أن جمال المكان وروعة المشاهد لم يكونا وحدهما ما ميّز تلك المناسبة؛ بل كان الدفء الذي غمرها، والمحبة الصادقة التي شعر بها كل من شارك العروسين فرحتهما، هما الأجمل والأكثر تأثيرًا.
ولم يكن زفاف سامر بوصعب ليلة فرح عادية بالنسبة إلى والدته جوليا بطرس. فقد عبّرت عن حبها لسامر ولانا بكلمات مؤثرة ومليئة بالمحبة، ولإكمال فرحتهما، فاجأتهما بأغنية خاصة كانت من أجمل هداياها لهما في يوم زفافهما.
وكان واضحًا منذ البداية أن سامر ولانا أرادا أن يكون هذا اليوم مناسبة تجمع الأشخاص الذين يحبونهما، وأن يشعر كل من شاركهما فرحتهما بأنه بين أهله وأصدقائه، في مكان يملؤه الود والألفة والمحبة.
لكن يبدو أن البعض لم يحتمل أن يرى الآخرين سعداء، فخرجت أصوات تنتقد جوليا، لا بسبب عمل فني، ولا بسبب موقف سياسي، ولا بسبب تصريح لها، بل لأن ابنها تزوّج!
والحجة أن جوليا غنّت للجنوب، والجنوب اليوم يعيش حربًا إسرائيلية، وبالتالي كان عليها أن تؤجل حفل زفاف ابنها.
أي منطق هذا؟ وأي مستوى من التدخل في حياة الناس وصلنا إليه؟
نعم، جوليا غنّت للجنوب، وستبقى تغني للجنوب. لكن ما علاقة ذلك بزواج ابنها؟
هل المطلوب من كل فنان غنّى للجنوب أن يلغي حياته الخاصة؟ وهل المطلوب من كل من أحب الجنوب أن يتوقف عن الفرح؟
الحزن والتضامن مع الجنوب لا يحتاجان إلى تحويل أفراح الآخرين إلى خطيئة، كما أن التضامن مع أهل الجنوب ليس موضع مزايدة من أحد.
وكم كنا نتمنى أن يكون من تنطّح لإبداء رأيه في هذا الشأن متضامنًا بالفعل مع الجنوب وأهله، وأن يكون حديثه نابعًا من صدق وحرص حقيقيين، لا مجرد محاولة للمزايدة أو استخدام الجنوب ومآسيه ذريعة للنيل من فرحة عائلة.
لكن السؤال الأهم هو: من نصّبك قاضيًا حتى تجلس خلف هاتفك وتصدر الأحكام على الناس؟ ومن منحك الحق في أن تحدد لهم ما يجوز لهم فعله وما لا يجوز؟ وهل أصبح من حق أي شخص أن يضع نفسه وصيًا على الآخرين، فيوزّع عليهم الأحكام والتوجيهات من خلف شاشة هاتفه؟
من حق أي شخص أن يختلف مع جوليا عندما تتحدث في الشأن السياسي، فهذا أمر طبيعي ومشروع، والاختلاف في الرأي حق لا خلاف عليه.
لكن أن يتدخّل أحد في شأن عائلي بحت، ويصرّ على إعطاء رأيه فيه، معتقدًا أن من حقه أن يحدّد لأهل البيت ماذا يفعلون ومتى يفرحون، فهذه ليست مجرد جرأة في إبداء الرأي، بل هي الحماقة بعينها.
من نصّبكم أوصياء على الناس؟ ومن منحكم الحق في أن تقرروا عنهم، أو تتدخلوا في تفاصيل حياتهم ومناسباتهم الخاصة؟ وأي سلطة هذه التي تبيح لكم فرض وصايتكم على مشاعر الآخرين وخياراتهم؟
صدق من قال: «اللي استحوا ماتوا».
أما أن تتحوّل مناسبة فرح عائلية إلى منصّة للهجوم على جوليا، الأم قبل كل شيء، فذلك لا ينتقص منها ولا يسيء إليها بقدر ما يكشف مستوى من أطلق هذه الحملة.
فمن الصعب إيجاد أي تفسير منطقي لهذا السلوك، إلا إذا كان مردّه إلى سوء تقدير فادح، أو إلى سذاجة لا تدرك حدودها، أو إلى رغبة في تحويل كل مناسبة إلى ساحة للمزايدة.
فبعد عقود من الفن والعطاء، وبعد كل ما قدّمته جوليا خلال مسيرتها، لم يجد هؤلاء ما يستحق الانتقاد سوى زفاف نجلها!
جوليا ليست فنانة عابرة في المشهد.
إنها فنانة كبيرة وراقية، بنت صورتها ومسيرتها على الرقي والاحترام، وحافظت طوال سنوات حضورها على مستوى فني وأخلاقي لم يجعل الابتذال يومًا وسيلة للشهرة، ولم تحتج إلى الإساءة إلى أحد أو التسلق على أكتاف الآخرين كي تصل.
جوليا، التي غنّت للجنوب، وغنّت للبنان، وغنّت للإنسان، ليست بحاجة إلى من يعطيها دروسًا في الوطنية، ولا إلى من يمنحها صكوك الانتماء.
لا يحق لأحد أن يقول للكَبيرة جوليا: لأنك غنّيتِ للجنوب، عليكِ أن تتخلّي عن حقك في الاحتفال بزفاف ابنك.
فمن حمل لبنان والجنوب بصوته، ومن جعل من فنه مساحة للتعبير عن المحبة والانتماء، هو أحقّ من غيره بأن يفرح، وأن يحتفل، وأن يعيش لحظاته الجميلة بعيدًا عن وصاية أحد.
ومن المعيب أن نستخدم الجنوب وأوجاع أهله سلاحًا في وجه فرحة عائلة.
كما أن جوليا لا تحتاج إلى أن تلغي فرحة ابنها كي تثبت أنها تحب الجنوب.
اتركوا الناس تفرح.
واتركوا العائلة تفرح بابنها كما تريد.
أما دروس الوطنية والمزايدات الرخيصة، فاحتفظوا بها لأنفسكم.
والذين لم يجدوا، في كل تاريخ جوليا ومسيرتها، سوى زفاف ابنها مناسبة لمحاولة النيل منها، نقول لهم: أعلى ما في خيلكم اركبوه… خسئتم.
في الختام، نتقدّم بأحرّ التهاني إلى العزيزين سامر ولانا، سائلين الله أن يديم عليهما هذه الفرحة والمحبة، وأن يملأ بيتهما بالسعادة وراحة البال، وأن تبقى هذه المناسبة الجميلة ذكرى خالدة لا تُنسى.
ونسأل الله أن يبعد عنّا وعنكم كل من يحمل في قلبه حسدًا أو حقدًا أو غيرة، وأن يرزقنا وإياكم صحبة صالحة، وقلوبًا صافية، ونفوسًا طيبة، وأن يكفينا شرّ من أراد بنا سوءًا، ويجعل أيامنا عامرة بالمحبة والسلام، وقلوبنا مطمئنة، وحياتنا مليئة بالسكينة والبركة.