بعد مرور أربعة أشهر على توقيع اتفاق 10 آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي برعاية أميركية، شهد قصر تشرين بدمشق مؤخرًا مفاوضات بين الحكومة السورية ووفد من “قسد” والإدارة الذاتية الكردية، في محاولة لإحياء الاتفاق وتنفيذ بنوده أبرزها؛ دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة، بما يشمل المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز .
ورغم التوقعات الكبيرة، انتهت الجولة الأخيرة من المفاوضات بفشل واضح، حيث برزت خلافات عميقة حول الهيكلية العسكرية، النظام الإداري، ومسألة السيطرة على المناطق شرق سوريا، ما يعكس عمق التحديات التي تعترض تنفيذ الاتفاق ويزيد من حالة الجمود السياسي والأمني في البلاد.
وسط هذا الفشل المتكرر، تتصاعد التساؤلات حول مصير اتفاق 10 آذار: هل ستنجح الأطراف في كسر الجمود وإحياء الاتفاق؟ أم أن الفشل الحالي يمهّد لصراع مسلح محتمل بين النظام وقوات “قسد”؟ وما هي التداعيات المحتملة على استقرار شمال شرقي سوريا؟
الباحث في الحركات الاسلامية نضال حمادة، أكد لـ”المدى” أن فشل الاتفاق الموقع بين أحمد الشرع وعبدي لم يكن مفاجئًا، رغم ما تضمّنه من بنود بدت شاملة وواعدة. وأكد أن الإشكاليات الجوهرية كانت واضحة منذ البداية، حيث “يكذب الجميع على الجميع” بحسب وصفه، فـ”قسد” كانت تطمح لحكم ذاتي قد يفضي لاحقًا إلى استقلال، بينما كان الطرف المقابل يرفض منحها أي هامش للنفوذ، ويصرّ على احتكار السلطة.
وأشار حمادة إلى أن الاتفاق وُلد ميتًا، نتيجة تضارب النوايا، وضغوط أميركية وتدخل تركي حافظ على موقع “الجولاني” ودفع باتجاه اتفاق شكلي. واعتبر أن “قسد” ليست جادة في الاندماج ضمن الدولة، بل هي كيان انفصالي كردي على غرار حزب العمال الكردستاني، ولا تختلف كثيرًا عن تجربة البرزاني في العراق.
وعن مدى إمكان الوثوق بقوة عسكرية نشأت برعاية أميركية، كـ”قسد”، لتكون جزءاً من مشروع وطني سوري جامع، رأى حمادة أن الأمر لا يقتصر على “قسد” فحسب، بل يشمل أيضاً “جبهة النصرة” و”هيئة تحرير الشام” والجولاني، قائلاً: “اتضح لاحقاً أن هؤلاء جميعاً، بمن فيهم الجولاني، جاؤوا إلى الحكم بدعم أميركي وبنهاية أميركية، تماماً كما “قسد” ، وبالتالي يمكن القول: وافق شنّ طبقة.”
وأضاف حمادة أن الجولاني يستغل هذه الحالة كذريعة لقمع كل من يعارضه، قائلاً: “هو لا يريد أي حجة تُفقده سلطته، فكل من يعارضه يصبح في نظره من فلول النظام، أي أن ثلاثة أرباع الشعب السوري حالياً باتوا مصنّفين كذلك عند الجولاني.”
وعن التداعيات الأمنية والسياسية المحتملة لتمسك “قسد” بهيكليتها العسكرية كقوة مستقلة ضمن الجيش السوري، حذّر حمادة من أن هذا الوضع مرشّح للتصعيد، قائلاً: “إذا استمر الدعم الأميركي للجولاني، فإننا ذاهبون نحو حرب، وهجوم من جماعة الجولاني على “قسد” “.
وأضاف أن “قسد” قوية، وإذا لم تتدخل أميركا ضدها – وهو أمر أستبعده – فإن الجولاني وجماعته لن يربحوا هذه الحرب، التي ستكون طويلة جداً ومكلفة”.
وعن تفسير طلب “قسد” الاحتفاظ بسيطرتها على الرقة ودير الزور والحسكة رغم الاتفاق على دمجها في مؤسسات الدولة، بيّن حمادة أن هذه المنطقة تُعدّ “سلة غذاء سوريا” وأكبر مساحة زراعية في البلاد. وأضاف: “تمسك قسد بهذه المحافظات يعني أنها تحتفظ بنفوذ اقتصادي واستراتيجي كبير، فالمنطقة تضم نفط دير الزور، ومحاصيل القمح والحبوب، بالإضافة إلى مياه نهر الفرات، وهذه كلها مقومات حيوية لدعم أي دولة ناشئة أو كيان سياسي”.
وعن إصرار “قسد” على تغيير اسم الدولة من “الجمهورية العربية السورية” إلى “الجمهورية السورية”، وهل هو مجرد مطلب شكلي أم تعبير عن رغبة انفصالية، أوضح حمادة أن هذا المطلب “شكلي بالأساس”، لأن “الأكراد لا يعترفون بمفهوم ‘العربية’ في اسم الدولة، ويقولون: كيف نكون في دولة اسمها الجمهورية العربية السورية ونحن أكراد؟ لذلك يرون أن الأفضل هو أن تُسمى الجمهورية السورية فقط، بحيث لا يحمل الاسم انتماءً عربياً أو كردياً”.
وهل يمكن اعتبار طلب “قسد” تمديد فترة تنفيذ الاتفاق تعبيراً عن ضعف الإرادة السياسية أم محاولة لكسب الوقت؟ أجاب حمادة بأن هناك”ضعفاً في الإرادة العسكرية لأن أميركا دعمت الجولاني، والمبعوث الأميركي توم برّاك وقف مع الجولاني”.
وعن قدرة الحكومة السورية على فرض سيطرتها الإدارية والأمنية على مناطق نفوذ “قسد” إذا استمر التمرد، قال حمادة: “من دون دعم أميركي أو تركي، لا يمكن للجولاني أن يفعل شيئاً مع “قسد” ، ولكن في حال حصول دعم من أميركا أو تركيا، تتغير المعطيات بشكل كبير”.
وعن تقييمه لدور الوسيط الأميركي في المفاوضات، وهل يساند الحكومة فعلاً أم يلعب دوراً معقداً بين الطرفين، أجاب حمادة: “الوسيط الأميركي هو السفير الأميركي في تركيا، توم برّاك، ونحن نعلم أنه يميل للموقف التركي في الأزمة مع الأكراد. هل يريد أن يلعب دوراً محايداً؟ كلا، هو يهدف للضغط على الأكراد وإخافتهم، وهذا أمر واضح.”
وعن الخطوات العملية لكسر الجمود الحالي وإخراج الاتفاق من دائرة المماطلة، أجاب حمادة: “لا توجد خطوات حالياً ولا مستقبلية، لأن الطرفين جاءا إلى الاتفاق غصباً عنهما. “قسد” تطالب بالانفصال، والجولاني يرفض ذلك بشدة، ويستخدم خطاب التخويف ضد الأكراد. بالتالي، لا حل في الأفق، بل من المرجح أن يستمر القتال، خاصة مع وجود دعم إيراني كبير لـ “قسد”.
ورأى حمادة أخيرًا أنّ “الطرفين لا يريدان الحل فعلياً، فلكل منهما مشروع مختلف تماماً عن الآخر. الجولاني يمثل صيغة إسلامية، بينما الأكراد ليسوا معادين للإسلام لكنهم يتبنون نموذجاً لا علاقة له بالإسلام في كثير من الجوانب.”