كثرت المطالبات في الأيام الأخيرة بإلغاء المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، خصوصاً بعد استلام ادارة جديدة زمام السلطة في سوريا، وبدء عهد جديد في لبنان، وقد ذهب البعض إلى اعتبار هذا المجلس “لزوم ما لايزم”، مؤكداً أنه ينتقص من سيادة لبنان، ويحقق مصالح سوريا على حساب مصالح الوطن .
وفيما تحدّث وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي أخيراً عن بدء النقاش حول إلغاء المجلس الأعلى اللبناني-السوري وإعادة النظر في معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق، ذكّر الأمين العام للمجلس نصري خوري في حديث مع “المدى” أنّ المعاهدات الدولية تبقى سارية المفعول إلى أن يتمّ الاتفاق بين الدول الموقّعة عليها لتعديل بعض بنودها أو إلغائها، والمجلس الأعلى أُنشىء بموجب معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق الموقّعة بين لبنان وسوريا، ويتألّف من رئيسي الجمهورية في كلّ من الدولتين المتعاقدتين، ومن: رئيس مجلس الشعب، رئيس مجلس الوزراء ونائبه في سوريا، ورئيس مجلس النواب، رئيس مجلس الوزراء ونائبه في لبنان”.
ولم يكن المجلس هو الجهاز الوحيد الذي أنشأته المعاهدة، بل تشكّلت هيئة المتابعة والتنسيق من رئيسي مجلس الوزراء في البلدين وعدد من الوزراء المعنيين بالعلاقات بينهما، لمتابعة تنسيق قرارات المجلس الأعلى، بالإضافة إلى تشكيل؛ لجنة الشؤون الخارجية، لجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، لجنة شؤون الدفاع والأمن، وإنشاء أمانة عامة للمجلس لمتابعة تنفيذ بنود المعاهدة والاتفاقيات المنبثقة عنها، وتسمية أمينها العام، أما مقرّها ونظامها الداخلي وآلية عملها وموازنتها فيتحدّد بقرار من المجلس الأعلى، علماً أنّ قراراته نافذة حكماً في الدولتين.
وبناءً على ما تقدّم، لا علاقة للأمر بالأنظمة، أو بمن يحكم في لبنان أو في سوريا، كما شدّد خوري، بل له علاقة بمعاهدة دولية مسجّلة في الأمم المتحدة، ويجب أن يصار إلى التفاوض بين الدولتين بشأنها وبشأن سائر الاتفاقيات التي وقّعت في ظلّها.
وذكّر خوري بأنّ اتفاق الطائف، وبغضّ النظر عمّن يحكم في سوريا أو في لبنان، قد نصّ في ثلاث فقرات منه على علاقات مميّزة بين لبنان وسوريا، تنظّم بموجب معاهدة واتفاقيات، كما نص على علاقات أمنية، وبالتالي، المعاهدة والاتفاقيات أمور ثابتة بين الدول، ولا تتغير بتغيّر الأنظمة أو بتغيّر الحكّام.
وأعرب خوري عن قناعته بأن هذه العلاقات المميّزة المنصوص عليها في الطائف يجب أن تترجم في أطر معينة، وقد تُرجمت في معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق وفي إنشاء المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري.
ودعا البعض للعودة إلى التاريخ، وتحديداً إلى الاربعينات عند إنشاء المجلس الأعلى لإدارة المصالح المشتركة بين لبنان وسوريا، قبل إنشاء هيئة لبنانية ـ سورية مشتركة برئاسة أمين عام وزارة الخارجية في كلا البلدين لتنظيم العلاقات المميّزة بينهما، وفتح مكتب دائم للبنان في دمشق وتعيين رئيس له ظل يعمل حتّى تاريخ التبادل الديبلوماسي بين البلدين.
صحيح أنّ المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري لم يجتمع منذ الأحداث السياسية والأمنية التي شهدها لبنان عام 2005، لكن خوري ذكّر أنه بعد انتخاب الرئيس ميشال سليمان، عقد اجتماع أساسي في دمشق على مستوى قمّة، ضمّ بعض أعضاء المجلس الاعلى، وصدر عنه بيان ختامي وقرارات، كما عقدت “هيئة المتابعة والتنسيق”، وهي الهيئة الأساسية في المعاهدة بعد المجلس الاعلى، اجتماعاً في دمشق عام 2010 برئاسة الرئيس سعد الحريري ومشاركة 15 وزيراً من لبنان، بمن فيهم وزراء “القوات اللبنانية” والحزب التقدمي الاشتراكي، وتمّت خلاله مراجعة المعاهدة والاتفاقيات وإدخال تعديلات على العديد منها وتوقيع اتفاقيات جديدة، لكنّ، ويا للأسف، لم تُبرم حتى اليوم بسبب الأحداث السياسية التي عصفت بلبنان وسوريا فيما بعد”.
وتمنّى خوري على الذين يعتبرون أنّ المجلس الاعلى اللبناني ـ السوري شكّل انتقاصاً للسيادة اللبنانية وكان لرعاية المصالح السورية في لبنان “أن يعودوا إلى محاضر مجلس النواب التي نوقشت خلالها معاهدة الأخوة وما طرح من تحفّظات وبنود”، مشيراً إلى “أن النائب الوحيد الذي صوّت ضدّ المعاهدة كان المرحوم البير مخيبر”، ناصحاً بـ”تقييم الاتفاقيات ودراسة نصوصها لكي نعرف ما إذا كانت متوازنة”. وذكّر بتشكيل لجنة في لبنان عام 2009ـ 2010 برئاسة الوزير جان أوغاسبيان ضمّت ممثّلين عن كل الوزارات، وبلجنة مماثلة في سوريا، وعقدت اجتماعات على مدى أيام لمراجعة الاتفاقيات والمعاهدة، فوجدت أنها متوازنة ولمصلحة البلدين، ولا علاقة لها بالمواضيع السياسية الأخرى أو بالأمور التي كان يشكو منها بعض اللبنانيين، فصلاحيات الأمانة العامة واضحة، منصوص عليها في النظام الداخلي والمالي وأقرّها المجلس الأعلى المعتمد قانونياً من الدولتين، وتنصّ على متابعة تنفيذ بنود الاتفاقيات وما يتم الاتفاق عليه في اطار اللجان الوزارية المشتركة أو هيئة المتابعة والتنسيق، وجميع الوزراء، بمن فيهم من يطرحون اليوم مطالب مختلفة، قد شاركوا في هذه الاجتماعات، ووقّعوا على الكثير من الاتفاقيات”.
وأكد خوري أن الغاء المجلس الأعلى والاتفاقيات المنبثقة عن المعاهدة أو تعديلها أو إعادة النظر فيها هو تقدير يتعلّق بإدارة الدولتين والتفاوض بينهما. وقال: “في رأيي، إذا كان تعديل المعاهدة أو الغائها يؤدّي إلى إنقاذ لبنان من مشاكله المادية والاقتصادية والاجتماعية ومن كل ما يعاني، فليطرحوا هذا الموضوع على بساط البحث مع المسؤولين في سوريا، ولتتِمّ معالجته في اجتماعات رسمية تضمّ ممثلين عن الدولتين لاتّخاذ القرار المناسب، فأنا مع ما يحقّق المصلحة المشتركة للدولتين”. إلّا أنّ خوري أشار إلى أنّ “هناك اتفاقات جوهرية وأساسية واذا تمّت مراجعتها بشكل دقيق سيكتشف الجانب اللبناني بأنّ تعديلها لن يكون كثيراً في مصلحة لبنان”.