في أقصى الشمال الأميركي، حيث يسود الجليد وتلفح البرودة كل شيء، تستعد ألاسكا لاستقبال واحدة من أكثر القمم السياسية سخونة. ففي منطقة اعتادت السكون والصقيع، يلتقي الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في محاولة لكسر جليد التوتر المتراكم بين موسكو وواشنطن. فهل تنجح حرارة المفاوضات في إذابة الخلافات المتجمدة؟ وهل تتحول ألاسكا من رمز للبرودة الجغرافية إلى محطة سياسية لإعادة ضبط حرارة العلاقات الدولية؟ تساؤلات تُطرح مع اقتراب هذه القمة المفصلية التي قد تعيد رسم معادلات القوة والتفاهم في عالم يغلي بالصراعات.
إذن، تتجه الأنظار إلى القمة المصيرية التي ستُعقد في قلب شبه الجزيرة التي كانت يومًا أرضًا روسية قبل أن تنتقل إلى السيادة الأميركية عام 1867. هذه القمة لا تبدو كغيرها من اللقاءات الدبلوماسية، بل تحمل في طيّاتها رسائل استراتيجية عميقة تعكس محاولة القوتين العظميين إيجاد لغة تفاهم رغم التوترات المتصاعدة.
لكن، وفي ظل هذا المشهد الدولي المعقّد، تبرز تساؤلات حاسمة: هل تنجح هذه القمة في تبريد جبهة الصراع الأوكراني؟ وهل يمكن أن تفتح الباب أمام هدنة أو اتفاق يُنهي النزاع المستمر؟ إلى أي مدى يستطيع الطرفان تجاوز خلافاتهما في ملفات شائكة كالتسلّح النووي والانتشار العسكري؟ وفي المقابل، يبقى دور الاتحاد الأوروبي موضع جدل: هل سيكون شريكًا فاعلًا في مخرجات هذه القمة، أم أن واشنطن وموسكو ستعيدان رسم المشهد الجيوسياسي بعيدًا عن الحلفاء التقليديين؟
أستاذ العلوم السياسية في جامعة العلوم الانسانية في موسكو د. نزار بوش ذكّر بداية بأن ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، تواصل مع بوتين أربع مرات، وكانت إحدى المكالمات بينهما قد استمرت نحو ساعتين ونصف، “ما يدل على رغبته الحقيقية في التوصل إلى تفاهمات مع روسيا لوقف الحرب في أوكرانيا، أو أقلّه تجميدها. لكن ترامب في الواقع، يسعى لأن يظهر كبطل للسلام من خلال الملف الروسي- الأوكراني، وتحديدًا من بوابة روسيا. غير أن موسكو لن تمنحه هذا الدور على حساب مصالحها. فبوتين حدّد أهداف العملية العسكرية بوضوح، وهي: حياد أوكرانيا، عدم التنازل عن المقاطعات الأربع التي ضمّتها روسيا، إضافة إلى اعتبار شبه جزيرة القرم خطًا أحمر لا يمكن المساس به. لذلك، ورغم استمرار التواصل بين ترامب وبوتين، فإن القيادة الروسية لن تتنازل عن تلك الأهداف الاستراتيجية تحت أي ظرف”.
وأشار بوش الى أن “قمة ألاسكا التي ينتظرها الجميع تبدو في طور تحضيرات جيدة للانعقاد. وقد تم اختيار هذه الولاية لرمزيتها التاريخية، إذ كانت في الأصل أرضًا روسية قبل انتقالها إلى السيادة الأميركية عام 1867. ولهذا، تحظى ألاسكا باهتمام خاص من الطرفين، إذ لا تزال تضم سكانًا من أصول روسية يحتفظون ببعض تقاليدهم الثقافية ويتحدث بعضهم الروسية حتى اليوم. واختيار ألاسكا يُعدّ عاملًا استراتيجيًا لكل من موسكو وواشنطن، فالدولتان لا تحتاجان إلى الاجتماع في بلد ثالث، طالما أنهما جارتان ولا يفصل بينهما سوى مضيق ضيق لا يتعدى 4 كيلومترات”.
ولفت الى أن “الرسالة واضحة للعالم: القوتان العظميان قادرتان على التفاهم والتفاوض وإيجاد لغة مشتركة بشأن الملفات الدولية، وأن بإمكانهما اللقاء على أراضيهما من دون وسيط أو طرف ثالث”، مبديا اعتقاده ب” أن هذه رسالة متبادلة من بوتين وترامب، مفادها أن هناك إمكانية لإعادة التقارب وبناء مصالح مشتركة، وأن المسافات السياسية بينهما ليست بالقدر الذي يصوّره الإعلام”، وأكد أن القمة “مهمة جدا، ليس فقط لروسيا ولاميركا بل للعالم كله بما في ذلك أوروبا”.
وتوقّع بوش أن تكون المفاوضات بين بوتين وترامب في قمة ألاسكا “صعبة للغاية، نظرًا لتباين الأهداف والشروط بين الطرفين. فروسيا تدخل القمة بثوابت لا تقبل التنازل عنها، بينما تسعى واشنطن إلى انتزاع بعض التنازلات لتقديمها لأوكرانيا والدول الأوروبية، في إطار حفظ ماء الوجه الغربي. لكن من غير المرجح أن تحل هذه القمة وحدها الأزمة الأوكرانية، وقد نكون أمام سلسلة من القمم لاحقًا”.
ورأى أن “وقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا لا يبدو أنه سيكون سريعًا، إلا إذا توفرت ضمانات واضحة. ربما توافق موسكو على وقف إطلاق النار بشروط محددة، أبرزها وقف تزويد أوكرانيا بالأسلحة. كما من المحتمل أن تطلب روسيا وجود آلية رقابة دولية من أطراف محايدة مثل الهند أو الصين أو البرازيل، وربما دول من العالم العربي، لتفادي تكرار خيبة اتفاقيات مينسك، التي ترى موسكو أنها لم تُحترم من الغرب”.
إلا أن بوش اكد أن “نتائج القمة ستكون مهمة، لأن اللقاء يبقى أفضل من غيابه”. وقال: “سيتحدث بوتين وترامب وجهًا لوجه وبصراحة حول مختلف الملفات، ليس فقط أوكرانيا، بل أيضًا القضايا الثنائية، كملف الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وتطوير القدرات النووية، والحد من انتشار الأسلحة النووية. كذلك، ستُطرح تطورات الشرق الأوسط وأوروبا، لكن الملف الأوكراني سيبقى المحور الأساسي والزمن المحتمل للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، ولكن وفق شروط روسية. لن يكون هناك توقيع على معاهدة سلام بين روسيا وأوكرانيا في هذه المرحلة، بل ربما بداية مسار تفاوضي طويل ومعقّد، خاصة في ظل التعنّت الغربي والدعم المستمر لكييف بالمال والسلاح”.
وجزم بوش بأن “روسيا، التي تملك خبرة طويلة في التعامل مع الخدع الغربية، لن تقدم تنازلات مباشرة، ما لم يترافق ذلك مع وقف الدعم الغربي لأوكرانيا، والحد من توسع الناتو، وربما تطالب كذلك بإبعاد قوات الناتو عن حدودها”.
وأكد أن “الحياد الأوكراني يبقى نقطة محورية في الموقف الروسي. حينها، يمكن لموسكو أن توافق على هدنة، تمهيدًا لمراحل تفاوض لاحقة. لكن الهدنة لا تعني اتفاق سلام، ولا تعني التنازل عن الأهداف الاستراتيجية أو الأراضي التي ضمّتها روسيا”.
الرئيسان الروسي والاوكراني استبق كل منهما القمة باتصالات مع شركائهما، وفي هذا السياق، شرح بوش “طالما أن هناك دولًا لم تلتزم بالعقوبات الغربية والأميركية وتُعدّ شركاء لروسيا، مثل الصين والهند وأوزبكستان والبرازيل وكازاخستان، وهي دول كبرى وذات أهمية، كان من الطبيعي أن يسعى بوتين لإطلاع قادتها على نتائج المباحثات والاتصالات التي أجراها مع ويتكوف، إضافة إلى بحث ما يمكن أن يُطرح في القمة المرتقبة مع ترامب. فهذه الدول ما زالت تتعامل مع روسيا بعملاتها الوطنية، والتبادل التجاري معها لم ينقطع رغم التهديدات الغربية. لذلك، تأتي تحركات بوتين في إطار دبلوماسي يعكس احترامه لشركائه، ويؤكد حرصه على التشاور معهم بشأن مجريات العلاقات مع واشنطن، وكذلك حول القضايا الثنائية التي تربط موسكو بهذه العواصم”.
أما بالنسبة لاتصالات زيلينسكي مع القادة الأوروبيين، فيبدو، وفق بوش، “أنه يسعى للحصول على دعمهم الكامل لإرسال رسالة واضحة إلى بوتين وترامب مفادها أن أي حل لا يمكن أن يتم دون موافقة أوكرانيا، أي موافقة زيلينسكي نفسه. وهنا، أعتقد أن هناك دولاً أوروبية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تسعى لوضع العراقيل أمام قمة ألاسكا ولا ترغب في التوصل إلى اتفاق بين روسيا وأميركا. هذه الدول تدعم زيلينسكي وجيشه بالمال والسلاح، وتسعى لاستنزاف روسيا وعدم السماح لبوتين بتحقيق نصر في الحرب، خاصة مع تقدم الجيش الروسي في الأسابيع الأخيرة وتحريره لمناطق متعددة خارج دونباس، مثل خاركوف وسومي”.
ولفت بوش هنا الى أن لدى روسيا “أوراق قوة في المفاوضات، لكن الأوروبيين لا يريدون أن يشعر بوتين أو روسيا بالنصر، بل يهدفون لهزيمتها استراتيجياً. بالمقابل، يدرك الأميركيون، كما عبر ترامب، أن هزيمة روسيا غير ممكنة، لذلك يؤكدون على ضرورة التفاهم معها والدخول في مفاوضات، محذرين زيلينسكي من ضرورة التنازل عن بعض الأراضي. أعتقد أن هذا الموقف الأميركي يصب في مصلحة روسيا، لكن الأوروبيين يرفضون سماع مثل هذه التنازلات”.
أما بشأن الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، قبيل قمة ألاسكا، فيأتي، وفق بوش، “بهدف وضع خطة للضغط على ترامب كي لا يتنازل لبوتين في القضية الأوكرانية. هذا الاجتماع لم يدعُ إليه فقط رئيس المفوضية الأوروبية، بل أعتقد شخصياً أنه جاء تحت ضغط من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لإرسال رسالة واضحة إلى ترامب مفادها أن دون أوروبا لا يمكن التوصل إلى حل في أوكرانيا، وأن أوروبا ستستمر بدعم كييف بالمال والسلاح حتى في حال تفاوض أميركي روسي.
مع ذلك، أعتقد أن الأوروبيين لن يتمكنوا من الاستمرار في دعم أوكرانيا إذا انسحبت الولايات المتحدة، لأن غالبية السلاح الذي يصل إلى أوكرانيا مصدره أميركا، حيث يشترون السلاح من شركاتها الصناعية ثم يرسلونها إلى هناك. هذا يعني أن المستفيد الحقيقي هي الشركات الحربية الأميركية، أما الخاسرون فهم الأوروبيون والشعوب الأوروبية التي تتحمل تكلفة هذا الدعم.
بالنسبة لأوروبا، لم تعد تلعب الدور المحوري ليس فقط في أوكرانيا، بل على المستوى العالمي لأسباب عدة. فالثلاثي الأوروبي—بريطانيا، فرنسا، وألمانيا— يرون روسيا عدواً ويرفضون الحوار معها، ومن لا يحاور لا يستطيع أن يلعب دوراً أساسياً في حل النزاعات. لذلك، اغتنم ترامب الفرصة وذهب للتفاوض مع بوتين في موسكو، مما يبيّن أن الدور المحوري لم يعد في أوروبا، بل أصبح محصوراً بين موسكو وواشنطن”.