بدأت سوريا تتحول في مقاربة التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” من مجرد ساحة للعمليات العسكرية إلى طرف أمني يُنظر إليه كشريك محتمل في مواجهة التنظيم، في تحول برز خلال اجتماع التحالف الذي استضافته روما في 1 تشرين الأول، بالتزامن مع إعادة ترتيب مهمته في سوريا والعراق وانتقال مسؤوليات أمنية واحتجازية إلى مؤسسات الدولة السورية.
وخلال الاجتماع، الذي شاركت فيه الولايات المتحدة وإيطاليا ومسؤولون دبلوماسيون من دول التحالف، برزت صياغة لافتة في البيان الأميركي-الإيطالي تحدثت عن وجود “شريك للتحالف في دمشق” يدرك خطر “داعش” ومستعد للعمل مع التحالف للحد منه.
وتعكس هذه الصياغة تحولًا في طبيعة التعامل الدولي مع الحكومة السورية في ملف مكافحة الإرهاب، بالتوازي مع تأكيد أن استدامة الأمن تتطلب مؤسسات دولة سيادية وشاملة تمثل مختلف المكونات وتحميها، ما يربط التعاون الأمني مع دمشق بمسار أوسع لتعزيز مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الملفات الأمنية.
وفي الجانب المالي والإنساني، أعلن أعضاء التحالف تعهدات تتجاوز 75 مليون دولار لدعم جهود مكافحة الإرهاب وزيادة القدرة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز، وضمان استمرار خدمات الصحة والصرف الصحي، فضلًا عن دعم النازحين والمحتجزين في سوريا والعراق.
وعرضت الحكومة السورية خلال الاجتماع أبرز الأولويات والثغرات التي تحتاج إلى دعم دولي في مجال مكافحة الإرهاب، فيما لم يحدد البيان حصة منفصلة لسوريا من مبلغ الـ75 مليون دولار، وبالتالي لا يمكن اعتبار التمويل مخصصًا لها وحدها.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التعقيدات المحيطة بآلاف المعتقلين المرتبطين بـ”داعش” في شمال شرق سوريا، إذ نُقل خلال عام 2026 أكثر من 5700 من عناصر التنظيم المحتجزين في سوريا إلى العراق، فيما لا تزال ملفات المحتجزين الأجانب والمخيمات وإعادة التأهيل وإعادة الأفراد إلى بلدانهم من أبرز القضايا المطروحة دوليًا.
ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية مع الانتقال التدريجي للمسؤوليات الأمنية والإدارية في شمال شرق سوريا إلى مؤسسات الدولة السورية، ما يضع دمشق أمام مسؤوليات أكبر في التعامل مع ملف التنظيم ومعتقليه.
وتتزامن هذه التطورات مع تغير طبيعة المهمة الأميركية في المنطقة، بعدما انتقل مقر عملية “العزم الصلب” إلى الأردن وتراجعت القوات الأميركية عن قواعدها داخل سوريا، مع استمرار التعاون في مكافحة “داعش”.
وبحسب القيادة المركزية الأميركية، فقد التنظيم قدرته على السيطرة على أراضٍ، إلا أنه لا يزال يمثل خطرًا أمنيًا بسبب نشاط خلاياه وإمكان استغلاله الفراغات الأمنية.
وبالتوازي، شهد شمال شرق سوريا مسارًا باتجاه دمج المؤسسات والقوات التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، ما يوسّع حجم المسؤوليات الملقاة على دمشق في ملفات الأمن ومكافحة “داعش” والمعتقلين.
ويشير المسار الذي ظهر في اجتماع روما إلى مرحلة جديدة في التعامل مع ملف “داعش”، تقوم على الانتقال تدريجيًا من العمليات العسكرية المباشرة إلى دعم المؤسسات المحلية وتعزيز قدراتها. وبالنسبة إلى دمشق، يعني ذلك تحمل مسؤوليات أمنية أكبر مقابل دعم دولي لبناء القدرات، لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل مراكز الاحتجاز والخدمات المرتبطة بها والنازحين وتبادل المعلومات وبناء القدرات الأمنية، فيما يربط التحالف استدامة الأمن بوجود مؤسسات دولة قادرة على تمثيل المكونات المختلفة وحمايتها.