"الأخبار" تنشر وثيقة "الإعلان الدستوري": نحو تعميق الفدرلة (علي جواد الأمين-الأخبار)

السبت 13 تموز 2019

من المنتظر أن تجتمع قوى «الحرية والتغيير» والمجلس العسكري، اليوم، للمصادقة على وثيقة الإعلان الدستوري، التي تُبين، بحسب المسودة التي حصلت عليها «الأخبار»، أن صلاحيات الحكومة المشكلة في المرحلة الانتقالية أكبر بكثير من صلاحيات «السيادي» الذي تنحصر مهماته في اعتماد قرارات «التشريعي» و«التنفيذي»، وفق نظام «برلماني» وليس «رئاسياً». لكن اللافت أن الوثيقة، وعلى رغم حديثها عن ضرورة السعي للعودة إلى «وحدة الوطن» بين الشمال والجنوب، إلا أنها تتحدث عن «نظام فدرالي حديث» سيتم تثبيته تدريجياً، بما يتجاوز نظام الولايات القائم حالياً، من دون أن يضمن بقاء الشكل الحالي لـ«سودان ما بعد انفصال 2011» على حاله.

بعد تسلّم قوى «الحرية والتغيير»، أمس، نسخة من «الاتفاق السياسي» على نسب التوزيع بينها وبين أعضاء المجلس العسكري المنحلّ في هياكل السلطة، لمراجعتها والموافقة عليها، من المنتظر أن تتسلّم، اليوم، الوثيقة الدستورية التي ستحكم علاقة السلطات الثلاث في البلاد خلال المرحلة الانتقالية، وذلك بعد تأخير دام يومين، أرجعته مصادر «الأخبار» إلى «خلافات حول نقطة جوهرية، هي موافقة المجلس السيادي على تشكيلة مجلس الوزراء»، وفق ما طالب به رئيس «العسكري»، عبد الفتاح البرهان، قبل خمسة أيام، حيث قال إن لـ«السيادي»، الذي سيرأسه، «حق الفيتو» على أيّ من وزراء الحكومة الذين من المفترض أن تختارهم قوى «الحرية والتغيير» من كفاءات.
عضو «الحزب الشيوعي السوداني»، المنضوي في قوى «الحرية والتغيير»، فريد إدريس، نفى، في حديث إلى «الأخبار»، كلام البرهان، مؤكداً أنه «ليس من حق المجلس السيادي، بحسب الاتفاق السياسي أو الإعلان الدستوري، الاقتراح أو رفض أي من الوزراء الـ 17 في الحكومة». وأوضح أن قرارات «السيادي» «لن تكون بأغلبية الثلثين وإنما بالأغلبية البسيطة»، وذلك «لتسهيل اتخاذ القرارات، نظراً إلى توزيع العضوية بين خمسة من الحرية والتغيير، ومثلهم من المجلس العسكري، بالإضافة إلى عضو مدني إضافي يتفق عليه الطرفان».
علاقة هياكل السلطة في المرحلة الانتقالية ستُنظّم وفق دستور انتقالي، حصلت «الأخبار» على وثيقة عنه بعنوان «دستور جمهورية السودان الانتقالي». وهو مؤلف من أربعين مادة تبيّن صلاحيات كلّ من السلطات، وتعرّف السودان «جمهورية ديموقراطية فدرالية حديثة موحدة»، وتلغي أحكام القوانين التي تتعارض مع «أحكام هذا الدستور الانتقالي». كما تحدد الوثيقة الفترة الانتقالية بما «لا يقلّ عن ثلاثين شهراً ولا يزيد على أربع سنوات»، على أن تتم خلال هذه الفترة «تصفية نظام الحكم القائم وأجهزته، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس قومية»، و«تنفيذ برنامج البديل الديموقراطي المتفق عليه بين القوى الموقعة على هذا الدستور».


وتقسّم الوثيقة هياكل الحكم إلى مستويين: الأول، «المستوى الاتحادي» القائم على نظام فدرالي من الأقاليم الستة (دارفور وكردفان والأوسط والشرقي والشمالي والخرطوم)؛ والثاني، «المستوى الولائي» القائم حالياً، والذي «تتم مراجعته لتوفير الموارد للتنمية والخدمات»، على أن «تتمّ إدارة الولايات بأوامر مؤقتة من السلطة التنفيذية، إلى حين اكتمال بناء الحكم الإقليمي». وتحكم هياكل الحكم هذه سبع مؤسسات قائمة على «سيادة حكم القانون والفصل بين السلطات»، هي:
أولاً: مجلس رئاسي يتكون «من سبعة أعضاء، بينهم امرأة، ويراعى في اختيارهم تمثيل أقاليم السودان كافة»، ويمارس السلطات السيادية الآتية: «رأس الدولة ورمزها السيادي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، اعتماد تعيين رئيس القضاء بعد اختياره بواسطة مجلس القضاء الأعلى»، «إعلان حالة الطوارئ وإعلان الحرب بتوصية من مجلس الوزراء، التصديق على القوانين الصادرة من الهيئة التشريعية»، على أن تصدر قرارات المجلس «بالأغلبية البسيطة لكل أعضائه».
ثانياً: مجلس وزراء «تكون له السلطة التنفيذية العليا في البلاد» (وفق المادة 10)، ويتكون «من رئيس ونائب له، وعدد من الوزراء لا يتجاوز عددهم العشرين، تختارهم توافقياً القوى الموقعة على وثيقة البديل الديموقراطي»، التي وقّعها قادة أحزاب المعارضة وقوى المجتمع المدني كبرنامج للمرحلة الانتقالية. ويتولى المجلس 16 مهمة، أبرزها: «معالجة الأوضاع الاقتصادية»، و«وقف النزاع المسلح في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور»، و«إلغاء جميع القوانين المقيّدة للحريات»، و«معالجة القضايا العالقة بين دولتَي الجنوب والشمال، بما يفتح الطريق مستقبلاً لإعادة وحدة الوطن»، و«انتهاج سياسة خارجية وطنية متوازنة وهادفة»، و«إجراء انتخابات عامة».
ثالثاً: هيئة تشريعية «تختصّ بسلطة التشريع وسلطة الرقابة على أداء الحكومة»، على أن يراعى في عضويتها «تمثيل كل القوى المشاركة في التغيير، نساءً ورجالاً، ولا يقل تمثيل المرأة عن 25 بالمئة من عضوية المجلس». وفي هذا الإطار، أوضح إدريس، لـ«الأخبار»، أن النظام سيكون «برلمانياً» على رغم غياب «المجلس التشريعي» حالياً، لكنه سيُشكل «في غضون ثلاثة أشهر كحد أقصى» كما أكد، ما يعني أن «المجلس السيادي» ستنحصر مهماته في «اعتماد ما يقرّه المجلس التشريعي أو مجلس الوزراء».
رابعاً: «هيئة قضائية مستقلة»، على أن يضطلع مجلس الوزراء بإعادة بناء الأجهزة والمؤسسات العدلية في البلاد، «ويبدأ ذلك بالفصل بين منصب وزير العدل ومنصب النائب العام، وتعيين عناصر مؤهلة مهنياً ومستقلة وذات كفاءة». وخامساً: القوات النظامية وقوات الشرطة والأجهزة الأمنية «خاضعة لقرار السلطة التنفيذية والسيادية المختصة»، على أن «يتخذ مجلس الوزراء ما يراه مناسباً ولازماً لاستعادة قومية واستقلالية قوات الشرطة والقوات النظامية الأخرى، وتصفية كل مظاهر الحزبية والعقائدية فيها».
ومع نهاية الفترة الانتقالية في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، موعد الانتخابات المزمع عقدها، وتحاشياً لوقوع البلاد في فراغ دستوري، «ستنظم الحكومة مؤتمراً دستورياً، يؤمّه ممثلون عن جميع الأطياف السودانية من قيادات سياسية ومجتمع مدني وقانونيين مختصّين، لرسم الدستور الجديد، بناءً على أسس الديموقراطية»، بحسب ما يكشف إدريس لـ«الأخبار».

إضافة تعليق