السودان يتجه نحو التسويات في غياب الحلول (إياد أبو شقرا - الشرق الأوسط)

الأحد 14 تموز 2019

كانت الساعات القليلة الفائتة تمر ثقيلة بانتظار إعلان «التفاهم» المأمول بين «المجلس العسكري الانتقالي» و«قوى الحرية والتغيير». والكل مترقب، متفائل، لكن يده على قلبه تخوّفاً من الاصطدام بعقبة جديدة، على غرار ما عايشناه خلال الأسابيع الماضية.
الأرجح أن الجميع يريدون الخروج بتسوية تعيد قطار التغيير إلى السكة. لكن الأرجح أيضاً أن منسوب التفاؤل بالتوصل إلى حلول ناجعة تراجع كثيراً منذ تبيّنت عدة معطيات، أهمها:
- أن التوليفة العريضة في الحراك الشعبي المتمثّل بـ«قوى الحرية والتغيير»، ورغم تماسك عمودها الفقري، لا تخلو من هشاشة التعددية في بلد كالسودان يضم طيفاً واسعاً من الانتماءات العقائدية والقَبلية والحزبية والإقليمية. وهذا، حتماً، من دون الإسقاط من الاحتمالات وجود جماعات مندسّة في صفوف الحراك ما زالت على تبعيتها لـ«الدولة العميقة»... بل ربما كان بعض هذه القوى في فترات متفاوتة من أركان تلك «الدولة» وجزءاً من «شرعية» وجودها.
- أن لدى «المجلس العسكري الانتقالي» مفهومه الخاص، وهذا المفهوم مألوف في الثقافة العسكرية على امتداد العالم، بالنسبة إلى دوره في «حماية البلاد» و«صون الدستور» و«الدفاع عن السلم الأهلي»... إلى ما هنالك. ومن ثم، فإن إصرار «المجلس العسكري» على ما يعده حقه في الإمساك برئاسة «مجلس السيادة» – المنوطة به المسائل الأمنية المصيرية – موقف لا يقبل المساومة.
- أن الأحداث الدامية التي واكبت فكّ الاعتصامات الشعبية، انطلاقاً من منطقة كولومبيا بالخرطوم، والكلام التهديدي الصادر عن بعض أفراد «المجلس العسكري»... ثم لاحقاً، تحميل «المجلس» عسكريين «تابعين» للنظام السابق مسؤولية التورط بالعنف في عملية فك الاعتصامات، لم تخدم أجواء الثقة الضرورية لأي عملية تفاوض سياسي. أيضاً لم يخدم أجواء الثقة تحرّك جماعات ترفع شعارات إسلامية معارضة متهمة «قوى الحرية التغيير» باستثنائها من حراكها وتجاهلها في مفاوضاتها السياسية مع «المجلس العسكري».
- مع أن إطاحة الرئيس السابق عمر حسن البشير ما كانت لتتحقق في الشارع وحده، بل كان محوَرياً تحرّك كبار ضباط الجيش ضده، فإن قطاعاً واسعاً من المعارضة لا يرى في «الثورة» التي حصلت في أبريل (نيسان) الماضي سوى تغيير محدود لرأس النظام لا غير. هذا القطاع من المعارضة يعتقد أن البشير تحوّل عبئاً على سلطة كان على رأسها لثلاثة عقود... وبالتالي، صار من مصلحة النظام إعادة ابتكار نفسه.
هذه المعطيات الأربعة كافية جداً لخلق «أزمة ثقة» لا تتيح التوصل إلى ما هو أكثر من تسويات واقعية حذرة. ذلك أن الثقة يستحيل أن تُبنى بين ليلة وضحاها، ولا سيما، في ظروف داخلية وخارجية كالظروف التي يعيشها السودان.
داخلياً، بصرف النظر عن مسؤولية سياسات البشير عن انفصال الجنوب والوضع في دارفور - الذي عرّضه لقرار جرم دولي بحقه - يمكن التطرق إلى عوامل سياسية واقتصادية معيشية أنهكت حكمه. ولعل أبرز العوامل السياسية فقدانه السيطرة على ولاء عدد من زملائه من كبار الضباط، ولا سيما، غداة قراره الترشّح مجدداً للرئاسة خلافاً لنص دستور 2005، ومن ثم، إزاحته عدداً من كبار معاونيه العسكريين - وبالأخص، عن بعض المواقع الأمنية الحساسة - وكذلك عدداً من السياسيين في الحزب الحاكم والحكومة.
أما بالنسبة إلى العوامل الاقتصادية المعيشية، فكانت، بالذات، مؤثرة جداً في زيادة السخط والاحتقان في الشارع. وما يُذكر أنه في يناير (كانون الثاني) 2018 اتخذت الحكومة قرار رفع سعر الدولار الجمركي من 6.9 جنيه إلى 18 جنيهاً، تسبب بارتفاع حاد في أسعار السلع المحلية والمستوردة بلغت في بعض الحالات نسبة 300%. كذلك أعلن البشير عن توجه حكومته إلى امتصاص السيولة النقدية من السوق وتحديد سقف لسحب العملاء من أرصدتهم البنكية، ما أدى إلى شح كبير في السيولة.
بطبيعة الحال، أثارت هذه الإجراءات سخطاً واسعاً في الشارع، فخرجت مظاهرات احتجاجية في العديد من مدن السودان على تدهور الأوضاع المعيشية والغلاء وفقدان السلع الضرورية. إلا أن السلطات استخفّت بها، ورمتها بشتى التهم التشكيكية والتخوينية، ومالت إلى التعامل معها بالقمع بدلاً من التعاطي معها كمطالب معيشية محقّة. وشيئاً فشيئاً، تنامت الاحتجاجات وتصاعدت في وجه المعاندة السلبية من قبل السلطة. وفي نهاية المطاف، عندما أدرك البشير عقم تجاهل ما يحصل كان هو وحكومته قد فقدا زمام المبادرة.
هذا داخل السودان، لكن خارجه ما كان وضع البشير - المحسوب أصلاً على «الإسلام السياسي» - أفضل بكثير. ففي أعقاب العقوبات الدولية التي فُرضت عليه، لكنها جُمّدت فعلياً إثر رضوخه لمطلب تقسيم السودان والموافقة على انفصال الجنوب، واجه الرئيس السابق مناخاً إقليمياً استقطابياً بين «الإسلام السياسي» و«البديل العسكري». ومن ثم كان ثمة حالة من «التعايش المتعِب» لنظامه المأزوم مع المستجدات الإقليمية.
هنا لا بد من الإشارة إلى أن هناك بعض النماذج عن «تعايش تشاركي» في بعض الدول بين «الإسلام السياسي» و«المؤسسة العسكرية»... منها باكستان. ففي باكستان، هوية البلاد - بل مبرّر وجودها كدولة مستقلة - الإسلام. وبالتالي، فحماية «الهوية الإسلامية - الوطنية» في وجه «علمانية» الهند «الجار - الخصم» عبر الحدود الشرقية... لا يضمنها سوى الجيش. ولهذا، كان هناك ترابط مزمن بين المؤسسة العسكرية الباكستانية والجماعات الإسلامية.
أكيد، الوضع السوداني ليس استنساخاً للنموذج الباكستاني، مع أن غالبية السودان تدين بالإسلام. ثم إن الإسلام كان جزءاً من الهوية «الطائفية» لأكبر حزبين مدنيين عريقين هما حزب «الأمة» الممثل السياسي التاريخي لطائفة الأنصار، و«الحزب الوطني الاتحادي» المرتبط طويلاً بالطائفة الختمية. أما لجهة «الإسلام السياسي» بوجهه «الإخواني» فلقد كان له حضوره في الجيش، وكان البشير نفسه من ممثليه قبل خلافه المعروف مع قائد «الإخوان» السودانيين التاريخي الدكتور حسن الترابي.
لكل ما تقدم، أتوقع أن نكون الآن أمام «مرحلة ضبابية» أفضل الممكن فيها التسوية المؤقتة، لأنه لا فرص للاتفاق على الحلول الحقيقية. إذ إن مثل هذه الحلول ما زالت تنتظر ثقة غائبة... وتوافقاً إقليمياً مغيّباً!

إضافة تعليق