اللاتوازن بين النقدي والمالي والاقتصادي والإداري (فريد البستاني-البناء)

الاثنين 24 حزيران 2019

تشكل الميادين المالية والنقدية والإدارية عادة قطاعات رديفة ومساعدة للقطاع الاقتصادي، الذي يشكل الأصل في تقييم ازدهار الدول، والتعبير الأول عن النشاط الاجتماعي المنتج للأوطان، ويُعتبر معيار درجة الصحة في حياة الدول درجة تقدم مكانة القطاع الاقتصادي على القطاعات المساعدة. وكلما تضخّمت مكانة أحد القطاعات المساعدة على حساب آخر تم السعي لإعادة التوازن بينها ليكون الأصل هو تنمية وتطوير الاقتصاد أما عندما يتضخّم أحد هذه القطاعات وينمو ليتقدّم على الاقتصاد، فهذا يكون مؤشراً خطراً على مستقبل الاقتصاد والمجتمع وبالتالي الدولة والوطن، أما إذا تضخمت القطاعات الرديفة جميعها على القطاع الاقتصادي فهذا يعني أن الدولة والوطن في قلب الخطر.

القطاع النقديّ هو القطاع المرتبط بإدارة العملات وأسعار الصرف والفوائد وهو القطاع الذي يديره مصرف لبنان وتشكل المصارف بيئته المشاركة، والقطاع المالي هو القطاع الذي يمثل المال العام للدولة والذي تديره وزارة المالية وتشرف عليه الحكومة، بجباية الواردات وتنظيمها ورسم خطط الإنفاق وتولّيها، والقطاع الإداري هو هيكل الدولة التي تقوم بالخدمات العامة للمواطنين من حفظ الأمن والتعليم والصحة وتأمين الكهرباء والمياه والطرقات والهاتف وسواها وتتولى الأعمال الإدارية والمالية، أما القطاع الاقتصادي فهو عموماً القطاع الذي يتولاه القطاع الخاص ويتشكل من فروع كالصناعة والزراعة والتجارة والسياحة والخدمات.

عرف لبنان الازدهار في الستينيات عندما كان القطاع الاقتصادي يقف في المقدمة. وكان القطاع النقدي ومثله القطاع المالي والقطاع الإداري يقومون بتخديم نموه، وكانت البنى والهياكل التي يتشكل منها كل من القطاعات النقدية والمالية والإدارية بأحجام أصغر بكثير من القطاع الاقتصادي. وهنا لا نتحدث عن وجود الفساد او عدم وجوده، ولا عن وجود المحسوبية في الإدارة أو قيام نظام كفاءات، ولا عن حسن الإنفاق في المالية العامة أو عن جباية متوازنة ونظام ضريبة صحيح، بل نتحدث فقط عن توازن الأحجام والأدوار، لأن مؤشر قيام التوازن بين الأحجام والأدوار بين هذه القطاعات هو علامة فاصلة على عافية وضع البلد او وقوعه في دائرة الخطر.

اليوم نحن في وضع تشكل ودائع المصارف أربعة أضعاف الإنتاج الوطني الإجمالي تقريباً. وهذه واحدة من أوراق القوة المالية للبنان ومن صمامات أمانه بوجه مخاطر الانهيار المالي، وشهادة للمصارف والقيّمين عليها، لكن ذلك يشكل علامة على وقوعنا في دائرة الخطر العام بالنظر لمعيار اقتصادي صرف، ومثله المالية العامة تحت عجز كبير ومصرف لبنان يملك فوائض هائلة، والقطاع العام يعاني من التوسّع السرطاني بلا مبرر إنتاجي ويتقاضى أقل بقليل من نصف الإنفاق العام ويضغط على العجز المالي وصولاً للحد الكارثي، ويمتلئ بالمحسوبيات والتوظيف العشوائي خارج أي معادلات علمية تحكمها الملاكات والمباريات والحاجات. وبينما القطاع النقدي يعيش انتظاماً يمكن التباهي بوجوده، يبدو مستقلاً في عالم آخر بعيد عن سائر مؤسسات الدولة الغارقة في الفوضى، ومنها المالية العامة لسنوات طوال ماضية، يُكتب لوزارة المالية قيامها بإعادتها إلى سكة الانتظام بإعداد الموازنات وقطع الحساب، لكنها في النهاية موازنات وقطع حساب تحكي فشلنا، ومعها تتحول الإدارة العامة مجموعة من الجزر العشوائية المنفصلة، التي لا تشبه إلا العشوائيات التي تنمو حول المدن، لكن بلا مدينة يفترض أن يمثلها القطاع الاقتصادي. وهذه الحالة بازدواج النمو والانتظام في ضفة، والفوضى والتراجع في ضفة، بمقدار ما تمثل شهادة لمصرف لبنان والمصارف الخاصة تشكل إشارة لوضع غير صحي يشكل استمراره مصدر خطر لا ينبغي تجاهل وجوده.

الخلاصة هي أنه ما لم تلحظ خطط الإصلاح إعادة الاعتبار لأولوية القطاع الاقتصادي، ورد التوازن الطبيعي في الأحجام والأدوار بين القطاع الاقتصادي والقطاعات النقدية والمالية والإدارية، فالهلاك مقبل لا محالة وعبثاً نحاول أن ننجح بالمفرق ونحن نغرق بالجملة.

نائب الشوف في مجلس النواب اللبناني

إضافة تعليق