النفط والغاز ...ولبنان (البروفسور فريد البستاني-الجمهورية)

السبت 11 أيار 2019

لم يعد الحديث عن ثروة لبنان في النفط والغاز حلما، فالوقائع التي تطال بدء التنقيب في أول بلوكات الغاز مقابل ساحل كسروان تحمل ما يبشر بخير قريب، وبدخول لبنان قريبا نادي منتجي الطاقة، والأرقام التي يتداولها خبراء الطافة في المنطقة والعالم حول المخزون اللبناني المتوقع تسمح بالحديث عن ثروة حقيقية تكفي لتغطية إستهلاك لبنان لتأمين إنتاج الكهرباء، وتغذية مصافي تكرير تتولى توفير حاجاته من المشتقات النفطية، وتوزيع الغاز للاستهلاك المنزلي، وفوق ذلك المساهمة النشطة في السوق التي تشكل أوروبا وجهتها الرئيسية وفقا لمعادلات الجغرافيا . 
ثمة الكثير مما يحتاج للنقاش بين القيادات اللبنانية حول ثروة الغاز والنفط، خصوصا مع التبدلات الحاصلة في الجغرافيا الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية في البحر المتوسط، فمن جهة هناك حجم الحضور الروسي، مع فعالية روسية عالية في أسواق النفط والغاز وشبكات الأنابيب التي تحملهما، واحتمال ورودها كشريك إنتاجي ومنافس تجاري في الوقت نفسه، ومن جهة مقابلة هناك التعاون المصري القبرصي الإسرائيلي اليوناني في ضخ الغاز في أنابيب مشتركة لتسويقه نحو أوروبا، والإشكالية التي تواجه لبنان هي في عدم قدرته على قبول الانخراط في هذه الشراكة التي تضم إسرائيل، وبالمقابل الآكلاف العالية لامتلاك شبكة أنابيب موازية، تفقد لبنان القدرة التنافسية، ومن جهة ثالثة هناك الشراكة الممكنة مع سورية التي تبدو في وضعية مشابهة للبنان سواء في حجم الثروة المتوقعة أو في عدم تقبل فرضية التعاون في شراكة تكون إسرائيل طرفا فيها، لكن أمام هذه الشراكة مع سورية تعقيدات السياسة اللبنانية في العلاقات الثنائية والحاجة لتوافق داخلي يتيح السير بها . 
هي إشكاليات لا تنتظر فقد يفاجئنا الغاز بالظهور قريبا، كما يقول الخبراء، بينما بعض القضايا الأخرى تحتمل الوقت رغم أهميتها، مثل كيفية تنظيم الصندوق السيادي للمال العائد من ثروة النفط والغاز، وشروط شراكات الدولة والقطاع الخاص في قطاعات موازية لإنتاج النفط والغاز. 
يبدو أن المرحلة الأولى تستدعي استعدادا لبنانيا لبنية تحتية، لن يكون القطاع الخاص المحلي والإقليمي والدولي بعيدا عن الحماس للاهتمام بها، تتصل بصناعة التكرير، ولبنان صاحب تاريخ في مصافي النفط، لا يزال البحر الأبيض المتوسط يشكو غيابها بحجم يلبي حاجات السوق منذ خروج مصفاتي طرابلس والزهراني عن الخارطة التجارية العالمية والإقليمية، وبذات الأهمية تبدو الحاجة لبنية تحتية لتوزيع الغاز للاستخدام المنزلي كما هو الحال في أغلب دول العالم والمنطقة، وبنية تحتية تتولى إيصال الغاز إلى محطات توليد الكهرباء، التي سيطرح تلزيمها قريبا بعدما أقرت خطة الكهرباء . 
في وزارة الطاقة إهتمام واستعداد، يحتاجان ملاقاة الوسط السياسي والقطاع الخاص والخبراء باهتمام واستعداد موازيين، وسيكتب لوزراء التيار الوطني الحر الذين تعاقبوا منذ البدايات الأولى لهذا الملف على تحمل مسؤولية هذه الوزارة، وللإدارة التي عملت على ملفات هذا القطاع، الجدية والعلمية والمثابرة والنزاهة، في ملف وطني لم يصب بالإهمال ولا خضع للحسابات السياسية، بدأ معهم فكرة وصار خطة ثم وقائع وسيصير قريبا ثروة لبنان الاستراتيجية، وهذا مثال حي وحساس لكيفية التعامل مع الثروات الوطنية وإدارتها، عندما تجتمع الإرادة مع العلم والنزاهة . 
*نائب الشوف في مجلس النواب اللبناني

إضافة تعليق