"الهيبة" يقلب الموازين: ذكورية طافحة والمجرم يصبح بطلاً!

الجمعة 31 أيار 2019

كتبت جنى نخال في صحيفة "الأخبار": بعد سنين (والنمط مستمرّ) من مسلسلات عن أسياد القصور والفيلات في بلد يرزح تحت الفقر، لاح ما يشبه طرحاً مغايراً لما تعوّدنا عليه، بضجر، من المسلسلات اللبنانية. يكسر "الهيبة" مركزية المدينة- العاصمة، على مستوى المكان، واللهجة والعادات. تنتقل الكاميرا إذاً إلى الهامش، لتصوّر نظاماً آخر، لطالما اعتُبر متخلفاً رجعياً. لكن في المسلسل الذي أصبح في موسمه الثالث، أكثر من قلب للموازين. ففي الذكورية التي ترشح من كتابة الشخصيات وعلاقتها ببعضها، والخطاب الذي يشدّد على "الرجولة" والقوة، ما يشرّع لممارسات أكثر ذكورية من الواقع الذكوري أصلاً. من ناحية أخرى، يقع نقد المسلسل في خطأ نراه قاتلاً: المطالبة بـ "قدوات حسنة" خيّرة وذات أخلاق حسنة كأنّنا نعيش في عالم مثالي لا ينتقص من جماله إلّا المسلسل الذي يعرض "مجرماً" كبطل. بين أخطاء المسلسل الذكورية والنقد المطالب بالنقاء الأخلاقي وضرورة تمثيل الخير الكامل كبطل، ينتصر بطل من الهامش، نأمل ألّا يبقى ذكورياً.

البطل من منطقة حدودية بعيدة عن المركز، هو زعيم عشيرة تأتمر بأمره. أمّا باقي الممثلات والممثلين، فهم يتكلّمون لهجة غير معتادة في الإعلام اللبناني، أو على الأقل غير معتادة للأدوار الرئيسية: "الهيبة" لا يروي سيرة المتوقّع على الشاشة في لبنان. لطالما وضعت الدراما اللبنانية المليونير وابن المدينة المتعلّم وابن الباشا والنائب (ولا نؤنّث الفاعل هنا، لأنه حتى الآن، رجل في الدراما اللبنانية الذكورية عامّة) وغيرهم كمركز القصة، بينما يظهر المجرمون دوماً بشكل هزلي تبسيطي، بالإضافة إلى كون الخارجين عن القانون في المجتمع اللبناني، بل أهل البقاع والهرمل وغيرهما من المناطق الهامشية، مجرمين حتى تثبت إدانتهم. أدّى ذلك إلى تنميط قاتل، يجعل كل من يأتي من هذه المناطق، "أزعر" وبائع حشيشة. في الأجزاء الثلاثة من "الهيبة"، محاولة لتغيير الخريطة، ووضع المنطقة وأهلها في المركز، والكلام عن "الخروج عن القانون" بشكل مغاير لما تعوّدناه في الدراما اللبنانية والإعلام. لكنّ كاتبي النص (هوزان عكو كتب الجزء الأول ـ باسم السلكا الجزءين التاليين) لم يستطيعا أن يخرجا من تصوير نمطي للنظام العشائري، بل ظهّرا الهرمية التي تحكمه على أنها إيجابية. خرجا من تنميط ليدخلا في آخر، وهو في الأساس يتعلّق بذكورية هذه الجماعة (بمعنى مجتمع مصغّر): لم يكتف الكاتبان بالحديث عن العلاقات التي تربط أفراد الجماعة أو انتقادها، بل دفعا بالذكورية التي تسيطر عليها إلى الواجهة، وعملا على تكثيفها وإظهارها كمكوّن "محلّي" تتميّز به هذه، لتصبح الذكورية أحد مكوّنات جمالية هذه الجماعة وقوّتها وتميّزها عن غيرها. الأزمة هي في التطبيع مع الذكورية والطبقية والتبعية في عائلات كاملة ترزح تحت سيطرة عائلات غنية، وتخدمها في بيوتها ويموت أبناؤها من أجلها.

عمل المسلسل على وضع بقعة جغرافية محرومة ومهمّشة إذاً، في المركز، وساهم إذذاك، في تعريف المشاهدات/ ين من جديد، ومن دون حكم مسبق على ما أنتجه هذا الحرمان من عادات وردات فعل، من عشائرية قاسية، وحكم الرجل الواحد، والفقر والعوز في ظل حكم عائلة غنية، وسعي الناس إلى "الطفر" في ظلّ تخلّي الدولة عن أدوارها، إلّا ذلك المتعلّق بالعقاب.

إضافة تعليق