ما بعد خطاب السيد نصرالله لبنانياً (جهاد أيوب - البناء)

الجمعة 08 شباط 2019

لم يكن خطاب السيد حسن نصر الله ما قبل الآخير، والذي رسم من خلاله سير الحكومة الجديدة بما حملت من تناقضات عناصرها، وحدّد فيه خطوات وزير الصحة ووزارته، لم يكن خطاباً عابراً في الداخل اللبناني، بل هو يحمل في مضامينه الكثير من تنظيم الأيام والشهور المقبلة، ليس على صعيد تركيبة النظام بل من خلال ترميم ما يمكن ترميمه استعاباً وتطويقاً لأحداث متغيّرة تفرض الحسم في مسيرة سياسية جراء تداعيات قد تقع في هذا العهد الرئاسي، ولم تكن بالحسبان السياسي، أو جراء تراشق زعامات تقليدية، وقوى أتخمها التخاصم، ومصالح الحصص، وزبائنية الفساد في قطاع يحكم من خلال الطائفية المسيّسة لتصبّ في مصلحة مجموعة حاكمة!

المرحلة المقبلة على لبنان في الأيام وربما الشهور ليست عادية بل محرجة على أكثر من صعيد، قد تنهي مرحلة لتبدأ آخرى، وقد توقع البلد بفراغ جديد يشبه فراغ رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، ولكنها لن تكون كسابق حساباتها في جمود الوضع السياسي، بل هي خطواتها تثبت أنّ العودة إلى الوراء لن تتمّ نمطياً وتقليدياً، لذلك ما ينتظر البلد هو الكثير من تثبيت الحضور في المواقع السياسية مع متغيّرات لمواقع كانت متزعّمة الشاشات والساحات!

والدلائل تشير بأننا سمعنا وسنستمع إلى تصريحات سياسية حادة، وشحن طائفي في بعض المواقف أكثر فجوراً، وتقلبات في المواقع والسياسة والتحالفات المصابة بالتأزم قد تفرز تحالفات جديدة، وتحركات شعبية لمحاسبة المسؤولين في الشارع فالأمور المعيشية أصبحت ضاغطة على الجميع، والبيان الوزاري الحالي لم يرفق بهم بقدر اهتمامه بمطالب الدول المانحة لـ «سيدر» الفرنسي!

كما انّ نغمة محاربة الفساد في الكيان اللبناني ستتردّد كأنشودة لدى جميع الأفرقاء، وبالأخص عند التيار الوطني في عهد رئيسه الوزير جبران باسيل دون نتائج فاعلة غير الانشودة، والسبب أنّ التيار يخاف من فقدان السيطرة ما بعد رحيل رئيس الجمهورية «الله يطول بعمره»، أو انتهاء ولايته الرئاسية، وطريقة معالجته للفساد من خلال مصالح مشتركة مع من هو متهمّ لا بل يشكل حركة الفساد فعلياً، وفي هكذا حال تغلب المصالح السياسية على نغمة محاربة الفساد الصوتية، والذي سيجده باسيل وفريقه عند من لا يوافقه المكاسب السياسية، وأهمّ هذه المكاسب أن يتمكّن جبران من الإمساك بمرافق حساسة بالحكومة وبقرارها، وهو نجح في ذلك من خلال التأليف والتعيين، وهذا سيترجم بعد أيام بأداء التيار بشكل عام!

الرئيس سعد الحريري هو وفريقه وخصومه يدركون أنه اليوم في السلطة ليس ليحكم، ولا يحلم بزعامة حادة توقعه بخصومات مع الجميع، ولا يرغب بأن يكون كأبيه حالياً، ولن يستطيع، ولكنه يريد من هذه المرحلة وفي هذه الحكومة تغطية وضعه السياسي بعد اعتقاله في السعودية، وكذلك وضعه المالي المحرج، لهذا جاء اختياره إلى الوزير محمد شقير، والكلّ يعلم كيف يفكر وينظر شقير إلى مؤسسات الدولة وقطاعاتها، وهو بالأساس يؤمن بتخصيص قطاعات الدولة، وعلى الجميع «الفوكسة» ومراقبة قطاع الاتصالات الذي يعتبره الحريري «أولاً»، وهذا القطاع بترول لبنان الفعلي، وخصخصته، والتحكم به هو غاية عند الحريري، وهدف محمد شقير، أما باقي التفاصيل فيعتبرها الرئيس سعد بسيطة، لذلك شارك بتفاصيل تشكيل الحكومة سابقاً، وبعض مفاصلها الحالية إلى التيار الوطني بشخص جبران باسيل!

أما الأمور الاستراتيجية فسيتركها بيد السيد حسن نصرالله، ومن هنا سيتمّ التخفيف من انتقاد خطابات وتصريحات السيد من قبل تيار المستقبل بحجة أنّ العمل أهمّ من الكلام!

«حركة أمل» مضت على إقرار عدم التوظيف من خارج مجلس الخدمة المدني، وإصدار قانون وقف بند المحاصصة في التلزيمات بالتراضي، وقيادتها ستراقب، والرئيس نبيه بري خبير بإتقان تدوير الزوايا، وهو المرجعية الفاعلة، والكلّ سيعود إليه مهما اختلفوا معه!

والزعيم وليد جنبلاط هو أكثر الخائفين من المرحلة المقبلة سياسياً على زعامته، واقتصادياً على مكاسبه مع انّ حصته الطائفية هي ذاتها كما غيره في بلد الطوائف، وقد يزداد الشرخ بينه وبين الحريري مرحلياً رغم تعليق الخلاف وعودته حسب مزاجية البيك، وسيتفاقم مع تطاول شخصي وسياسي مع جبران باسيل وفريقه، لذلك اتصل جنبلاط بغالبية سفراء الغرب في لبنان خاصة فرنسا وأميركا وبريطانيا لشرح مظلوميته مع العهد ومع الحريري وباسيل، ووفوده إلى السعودية التي فرملت غضبه وانزعاجه من الحكومة وبعض الوزراء فيها بتزايد لشرح حالته، وتوضيح خلافه العميق مع الحريري حتى لو تمّت المصالحة والهدنة المؤقتة!

«القوات» وعلى ما يبدو ستكتفي بالصبر والنظر دون إدراك لمرور العاصفة، و ستحتفظ على ما حصدت من مكاسب بطلوع الروح من باسيل، ولكن جماعاتها في أميركا يتحرّكون ضدّ العهد عكس هدوء الداخل، وقد يتسبّب لهم ذلك بإشكاليات كثيرة في مجلس الوزراء كانوا بغنى عنها!

«حزب الله» الذي قرّر بداية الإصلاح ومحاربة الفساد ضمن نظرته الواقعية خارج قوانين تعيق تطلعاته العملية هو يدرك انه ليس الدولة، والناس تنظر إليه المنقذ وخارج لعبة الفساد ويعوّل عليه، وهذه مسؤولية ضخمة ومعقدة في بلد كحال لبنان، ومناخات الفساد في عقلية من يتسلم مسؤولية فيه أصبحت تراثية!

وقد قرّر الحزب أنه لن يدخل في عملية خاسرة بمواجهة الفساد حتى لا يخسر الثقة، ولكنه يعرف صعوبة المعركة، وخطورة التحرك في مستنقع لبنان، وفي رأي شخصي، وجراء معلومات أكيدة فإنّ «حزب الله» وضع بين يديه ملفات عديدة أنجزها مع متخصّصين، وأدرك يقيناً أنه سيصل فيها ومعها إلى نهايات سعيدة، ولن يقتحم أو يذهب إلى معارك فساد خاسرة تشكل دعسات ناقصة، أو تزعج زعامات طائفية قد تستغلّ معركة الحزب من باب المعركة مع الطائفة، فمثلاً لن يخوض معركة محاربة الفساد في بعض الوزارات ومنها الاتصالات وغيرها، وأخذ على عاتقه التدقيق في التلزيمات غير المقنّعة وشروطها وبنودها دون حرج خاصة بما يتعلق بمشاريع يتبناها الوطني الحر دون حرج، وهنا سنكون مع نسخة مباشرة وجديدة في سياسة الحزب خدماتياً… وهو أيّ الحزب ينتظر صرخة الناس التي ستطالبه بمحاربة الفساد هنا وهناك بعد تلمّسهم نجاحه في مواقع لم يتوقع أحد أن ينجح فيها!

ما ينتظر لبنان داخلياً جراء الوضع الظاهر، وحركة السفراء الأجانب وبعض العرب، وقلق زعاماته الباحثة عن مكاسب سريعة تُثَبّت لهم التوريث هي تقلبات كثيرة أهمّها في الخطاب السياسي فعلياً وتنظيمياً وتنظيرياً، وتحركات الشارع التي ستكون مؤلمة!

إضافة تعليق