هل تنخفض الأسعار في لبنان بعد تراجع النفط؟

الإثنين ٢٢ حزيران ٢٠٢٦

هل تنخفض الأسعار في لبنان بعد تراجع النفط؟

ماهر سلامة – الأخبار

منذ اندلاع العدوان على لبنان، ارتفعت الأسعار في لبنان بنحو 8%، في زيادة يرتبط جزء أساسي منها بارتفاع أسعار النفط وما يجرّه من كلفة إضافية على المحروقات والنقل والمولدات والتبريد والتخزين وتشغيل المؤسسات وغيرها من الأكلاف. خطورة هذا الارتفاع تكمن في صعوبة عكسه لاحقاً. ففي لبنان، لا تتحرّك الأسعار داخل سوق تنافسية قادرة على خفضها عندما تتراجع الكلفة، بل داخل اقتصاد سياسي قائم على الاحتكارات والوكالات والأسواق المغلقة وضعف الرقابة. لذا، ما يبدأ كارتفاع مبرّر في الأسعار بفعل ارتفاع سعر النفط يتحوّل سريعاً إلى الحدّ الأدنى.

في الاقتصادات التي تعمل فيها المنافسة والرقابة بشكل طبيعي، يفترض أن يكون أثر ارتفاع أسعار النفط مؤقتاً إلى حدّ ما. ترتفع كلفة النقل، وتزداد كلفة الطاقة، فتنتقل الصدمة إلى أسعار السلع والخدمات، ثم تبدأ بالانحسار عندما يتراجع سعر النفط أو تستقرّ الأسواق. وحتى في هذه الاقتصادات، يقول صندوق النقد كلما ارتفعت أسعار النفط بنسبة 10% يزداد التضخّم المحلي فوراً بمعدل 0.4% على أن يتلاشى الأثر بعد نحو سنتين.

لكن هذه القاعدة معطلة في لبنان بسبب بنية السوق التي تحوّل أي ارتفاع خارجي في الأسعار إلى فرصة لاعتباره الحدّ الأدنى. فالاقتصاد اللبناني ليس سوقاً مفتوحة بالمعنى الفعلي، لأنه قائم على احتكارات شرعية وغير شرعية، وعلى وكالات حصرية، وعلى أسواق صغيرة يسيطر عليها عدد محدود من اللاعبين. وكل ذلك يجتمع في دولة ضعيفة في الرقابة وقوية فقط حين يتعلق الأمر بإصدار التعاميم والتسعيرات. لذلك، حين تأتي صدمة خارجية مثل ارتفاع أسعار النفط، لا تمرّ عبر سوق تنافسية تضغط لاحقاً نحو خفض الأسعار، بل تدخل إلى أسواق قادرة على امتصاص الارتفاع بسرعة، ثم المماطلة في عكسه عندما تنخفض الكلفة. وما يعزّز هذا الأمر أن صندوق النقد عندما يحلّل أسعار النفط وديناميات التضخم يشير بوضوح إلى أن الصدمات الصعودية أقوى من النزولية، أي إن الأسعار تتأثر بسرعة أكبر عندما يصعد النفط، لكن عودتها إلى الانخفاض ليست بالضرورة متماثلة أو آلية. وهذه الفكرة، في لبنان، هي مدخل لفهم كيفية عمل الأسواق.

ففي قطاع مولدات الأحياء مثلاً، يبدو الرابط بين المازوت والتسعيرة مباشراً. عندما يرتفع سعر المازوت، يصبح من المفهوم أن ترتفع فاتورة المولد، لأن الوقود يشكّل الجزء الأكبر من كلفة التشغيل. لكن ما يحصل بعد انخفاض سعر النفط أو المازوت ليس بالوضوح نفسه. فصاحب المولّد يستطيع أن يُبقي التسعيرة مرتفعة بحجة التحوّط من موجة ارتفاع جديدة، أو بحجة كلفة الزيوت والصيانة وقطع الغيار، لكن في الواقع السبب هو ببساطة أن المشترك لا يملك بديلاً حقيقياً. وبهذا يصبح السعر نتيجة موقع احتكاري داخل الحيّ أو المنطقة. فالمشترك لا يستطيع الانتقال بسهولة من مزوّد إلى آخر، ولا يستطيع الاستغناء عن الخدمة في ظل غياب كهرباء الدولة، ولا يملك غالباً أداة فعّالة للاعتراض.

هذا لا يعني أن الدولة لا تصدر تسعيرات للمولدات. بل على العكس، هناك تسعيرة شهرية تصدرها وزارة الطاقة، وهناك محاولات دورية لفرض العدادات والالتزام بالتسعيرة. لكن وجود التسعيرة لا يعني تلقائياً وجود سوق منضبطة. فالمسألة الأساسية هي القدرة على فرض الأسعار على أرض الواقع. والتجربة أظهرت أن قسماً من أصحاب المولدات لا يلتزم، أو يفرض بدلات ثابتة، أو يستخدم موقعه المحلي لفرض شروطه. لذلك تصبح صدمة النفط في هذا القطاع ذات اتجاه واحد تقريباً، حيث ترتفع الفاتورة بسرعة مع ارتفاع الكلفة، لكنها لا تنخفض بالسرعة نفسها عندما تتراجع الكلفة.

الأمر نفسه يظهر في النقل. فارتفاع أسعار البنزين والمازوت يرفع كلفة تشغيل السيارات والفانات والباصات، وهذا يخلق ضغطاً حقيقياً على السائقين. لكن المشكلة أن تسعير النقل في لبنان لا يعمل ضمن منظومة نقل عام واضحة، بل ضمن خليط من النقل الفردي، والخطوط غير المنتظمة، والسائقين المرخّصين وغير المرخّصين، وضعف الرقابة على الأجرة الفعلية. لذلك، عندما ترتفع المحروقات، ترتفع الأجور بسرعة، لكن عندما تنخفض، لا توجد آلية تلقائية تُجبر السوق على الرجوع إلى الوراء. في أحسن الأحوال، تصدر تسعيرة رسمية. وفي الواقع، يبقى تطبيقها مرتبطاً بقدرة الدولة على المراقبة، وهي قدرة محدودة خصوصاً خارج المراكز المدينية.

في المقابل، تبدو المحروقات نفسها أكثر «مرونة» في الظاهر. فأسعار البنزين والمازوت تتغيّر بحسب جدول رسمي، لذلك تنخفض وترتفع تبعاً للتسعيرة الصادرة عن الدولة. هذا لا يعني أن سوق المحروقات في لبنان سوق تنافسية. بالعكس فالاستيراد تهيمن عليه مجموعة محدودة من الشركات، وهامش الربح يكون مدمجاً أصلاً في آلية التسعير الرسمية. لكن الفارق هنا أن الدولة، عندما تملك أداة تسعير واضحة ومُلزمة عند نقطة البيع، تجعل السعر النهائي أكثر ارتباطاً بالتغيّرات الرسمية في الكلفة. أما في القطاعات التي تُترك عملياً لقوة الأمر الواقع، فيصبح السعر أكثر التصاقاً بمصلحة البائع لا بحركة الكلفة.

من ناحية أخرى، حتى في الاقتصادات الطبيعية التي تعتمد على التنافس، يظهر أن انخفاض الأسعار في السوق بعد انخفاض سعر النفط، بسبب طبيعة انعكاسات ارتفاع أسعار النفط على السوق أصلاً. الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يتحدث في ورقة عن انتقال أسعار النفط إلى التضخّم الأساسي. فالورقة تقول إن أثر النفط على التضخّم الأساسي (السلع الأساسية) قد يكون محدوداً، لكنه طويل الأمد عبر القنوات غير المباشرة. بمعنى آخر، لا يقف النفط عند محطة البنزين. يدخل في النقل، والتخزين، والتبريد، وتشغيل المحال، والمولدات، والزراعة، والصناعة، ثم ينتقل إلى أسعار أخرى لا تظهر للوهلة الأولى كأنها مرتبطة بالنفط. وفي اقتصاد مثل لبنان، حيث الطاقة الخاصة والنقل الخاص جزء من كلفة كل شيء تقريباً، يصبح هذا الأثر غير المباشر أكثر أهمية.

أما ورقة بنك تشيلي المركزي، فهي تساعد على فهم الفارق بين الصدمة العابرة والصدمة التي تصبح جزءاً من بنية الأسعار. فالورقة تبيّن أن أثر صدمة النفط على التضخّم الكلي يكون واضحاً في المدى القصير، ثم يضعف لاحقاً، ولا يبقى ذا دلالة بعد سنة أو سنتين في معظم الحالات. لكن هذا الاستنتاج يفترض وجود بيئة اقتصادية ومؤسساتية قادرة على امتصاص الصدمة. في لبنان، قد تتراجع الصدمة النفطية عالمياً، لكن السعر المحلي لا يعود بالضرورة إلى مساره السابق، لأن جزءاً من الزيادة يتحوّل إلى هامش ربح جديد أو إلى «سعر مرجعي» جديد في السوق. والمقصود بـ«السعر المرجعي» هنا أن السعر المرتفع لا يبقى مرتبطاً بالصدمة التي أنتجته، بل يتحوّل إلى نقطة انطلاق جديدة للتسعير، إذ يصبح خفضه لاحقاً وكأنه تنازل من البائع لا عودة طبيعية إلى الكلفة الفعلية.

بهذا المعنى، لا تكمن خطورة ارتفاع أسعار النفط في لبنان في تداعياته المباشرة، بل أيضاً في أن الاقتصاد اللبناني يملك ذاكرة سعرية انتقائية مرتبطة بالارتفاع لا بالانخفاض. فحين ترتفع الكلفة، تُستخدم فوراً لتبرير رفع الأسعار، وحين تنخفض، تظهر مبررات أخرى مثل الخوف من عودة الارتفاع، ارتفاع كلفة الصيانة، أو تراجع القدرة الشرائية. وفي كل مرة، يدفع المستهلك الفرق.

لذلك، النقاش الحقيقي يجب ألا يقتصر على سؤال إلى متى سيبقى سعر النفط مرتفعاً؟ بل يجب أن يبدأ من سؤال آخر، هل يمكن جعل هذا الارتفاع غير دائم؟ فالنفط يفسّر الشرارة، لكنه لا يفسّر وحده بقاء النار مشتعلة. ما يفسّر ذلك هو تركيبة الاقتصاد السياسي اللبناني المبنية على الاحتكارات، والوكالات، والأسواق المغلقة، وغياب البدائل، ودولة لا تتدخل إلا جزئياً.

شارك الخبر

مباشر مباشر

11:44 pm

الجيش الإسرائيلي نفذ تفجيراً في كفرتبنيت

11:44 pm

إسرائيل تعتقل مرشحا للكونغرس الأميركي أثناء قطف الزيتون في الضفة الغربية

11:43 pm

مصدران رسميان ليبيان لرويترز: تحرير رهينتين من النمسا وسويسرا بعد أكثر من 18 شهرا في النيجر ووصولهما إلى مدينة بنغازي الليبية

11:23 pm

العُثور على جثة شخص مقتول في خراج جدرا

11:03 pm

ترامب: أصبحنا أقرب من أي وقت مضى من إنهاء الحرب في أوكرانيا

10:47 pm

الرياضي بيروت بطل دورة شباب الأهلي الدوليّة لكرة السلّة بعد فوزه على النادي الأنطونية في المباراة النهائية

10:31 pm

مصدر دبلوماسي لفرانس برس: السفارة الأميركية في الرياض تطلب من جميع الموظفين الأميركيين وعائلاتهم مغادرة السعودية

10:23 pm

زيلينسكي: كييف تؤيّد عقد اجتماع أميركي أوكراني روسي “في أقرب وقت”

10:12 pm

قصف مدفعي يستهدف اطراف زوطر الشرقية – ميفدون ووادي السلوقي

09:50 pm

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على مكتب محاماة باليونان وبنما لمساعدته قطاع الشحن الإيراني

09:35 pm

وكالة فارس الإيرانية: دوي انفجارات في مدينة سيريك ولا تزال طبيعتها ومصدرها مجهولين

09:30 pm

قوى الامن تحذر: معك مخفر حبيش…هيك ببلش الإحتيال انتبهوا

08:59 pm

غارة استهدفت حداثا

08:38 pm

اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية يعلن تضامنه مع بلدية حارة حريك ويستنكر حملات الافتراء والتضليل

08:34 pm

عراقجي: مستعدون لإعطاء الدبلوماسية فرصة أخرى إذا رأينا دليلا على رغبة أميركية صادقة في التوصل إلى حل عادل

08:28 pm

غارة إسرائيلية على منطقة وادي السلوقي في جنوب لبنان

08:21 pm

غارة تستهدف بلدة القنطرة

08:13 pm

محافظ النبطيّة محمد هزيمة يعلن عزوفه عن تولّي منصبه

08:07 pm

غارة تستهدف وادي الحجير

07:49 pm

وزارة الخزانة الأميركية: الولايات المتحدة تفرض عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

07:32 pm

غادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرياض مع الوفد المرافق له

07:25 pm

تمشيط معاد باتجاه بيت ياحون

07:14 pm

نصار خلال افتتاح ندوة “مؤسسة لقمان سليم” في وزارة العدل: القضاء يتحمل أثقالاً كبرى ولا نسيان ولا مساومة على المحاسبة

07:05 pm

الجيش يوقف رئيس عصابة سرقة و6 مواطنين بجرائم إطلاق النار وحيازة أسلحة والتورط في إشكالات

06:49 pm

التلفزيون الإيراني: رئيس البرلمان التقى المرشد الأعلى وبحث معه مستجدات الحرب العسكرية والاقتصادية على البلاد

06:46 pm

“رويترز” عن مسؤول أميركي: الروس قبلوا مقترحاً أميركياً لعقد اجتماع ثلاثي يضم أوكرانيا

06:36 pm

السيسي: الجهد العسكري المصري لا يمتد إلى خارج حدود مصر أو أي دولة شقيقة تكون مصر حريصة على أمنها واستقرارها

06:21 pm

آيزنكوت يرفض تولّي منصب وزاري في حكومة يقودها نتنياهو

05:56 pm

نتنياهو: لا سبيل لإزالة التهديد النووي الإيراني إلا بإسقاط النظام

05:55 pm

كاتس: سنستهدف البنية التحتية لحزب الله في الضاحية إذا انضم لإيران في أي هجوم ضدنا

05:49 pm

تاس عن مساعد الرئيس الروسي: الصراع في أوكرانيا يقترب من نهايته

05:38 pm

أهالي علما الشعب توجهوا الى بلدتهم المحتلة…لقطاف الزيتون!

05:33 pm

الحجار عرض في الدوحة التحديات التي يواجهها لبنان والتشديد على أهمية دعم المؤسسات الأمنية وتعزيز قدراتها

05:25 pm

هبة طوجي تحيي حفلًا غنائيًا في مهرجان الفسطاط

05:23 pm

الاتحاد الأوروبي يطالب شركة “سبيس إكس” باستعادة خدمات ستارلينك بالكامل وبشكل عاجل في أوكرانيا

05:18 pm

دميترييف: اجتماع بوتين وويتكوف “مثمر للغاية”

05:15 pm

تدابير سير في محلة جسر فؤاد شهاب لتمديد كابلات ألياف ضوئيّة عائدة لوزارة الاتّصالات…بدءا من هذا اليوم!

05:14 pm

“وول ستريت” تفتح على ارتفاع

05:09 pm

مجموعة CMA CGM تعزّز صادرات التفاح اللبناني إلى مصر وليبيا والسعودية بأسعار شحن تفضيلية

05:03 pm

رابطة متفرغي اللبنانية: لإقرار الملف بشفافية وبما يصون التوازن الوطني وميثاق العيش المشترك