عقدت هيئة تنظيم قطاع الكهرباء مؤتمراً صحافياً خصص لشرح ورقة سياسة قطاع الكهرباء التي اعتمدها مجلس الوزراء، وبيان ما تتضمنه من إصلاحات، وكيفية تطبيقها خلال المرحلة المقبلة، والدور الذي ستتولاه الهيئة في مواكبة تنفيذها ضمن الصلاحيات التي منحها لها القانونان رقم 462/2002 ورقم 318/2023.
فأكدت عضو الهيئة د. سورينا مرتضى بحضور زميليها عضوي الهيئة د. زياد رحمه والمهندس دنيال جحا أن ورقة السياسة لا تنطلق من فكرة أن القطاع يفتقر إلى القوانين، بل من واقع أن القوانين بقيت لسنوات من دون ترجمة عملية، مضيفة: “القانون 462 رسم منذ أكثر من عشرين عاماً الإطار الذي يجب أن يقوم عليه القطاع، إلا أن هذا الإطار لم يستكمل. وجاءت الورقة لتحدد بصورة واضحة الخطوات المطلوبة للانتقال من الواقع الحالي إلى النموذج الذي نص عليه القانون، مع مراعاة الإمكانات المالية والمؤسسية المتاحة اليوم”.
فاستهلت الهيئة المؤتمر بعرض الواقع الحالي للقطاع، مشيرةً إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على محدودية الإنتاج أو ساعات التغذية، بل أصبحت مرتبطة ببنية القطاع نفسها.
تابعت: “النموذج القائم، الذي يجمع الإنتاج والنقل والتوزيع ضمن مؤسسة واحدة، لم يعد قادراً على مواكبة احتياجات القطاع أو استيعاب الاستثمارات الجديدة أو تنظيم النمو المتسارع للطاقة المتجددة، الأمر الذي فرض اعتماد مقاربة جديدة تعالج جذور المشكلة وليس نتائجها فقط”.
هذا وتمت الاشارة إلى أن إعادة الهيكلة لا تعني تفكيك مؤسسة كهرباء لبنان أو بيعها، كما يُشاع أحياناً، وإنما إعادة تنظيم القطاع بحيث تصبح وظائف الإنتاج والنقل والتوزيع منفصلة عن بعضها البعض، ولكل منها مسؤوليات واضحة وإطار تنظيمي خاص بها. فالواقع الحالي يجعل جميع هذه الأنشطة تدار ضمن كيان واحد، الأمر الذي يصعب تقييم أداء كل نشاط أو تحديد كلفته الفعلية. أما فصل الأنشطة، فيسمح بقياس الأداء بصورة أدق، ويعزز المساءلة، ويهيئ القطاع للإصلاح التدريجي.
كما أوضحت الهيئة أن السياسة اعتمدت مساراً انتقالياً بدلاً من الانتقال المباشر إلى سوق كهرباء محررة، لأن قيام سوق تنافسية يتطلب مؤسسات مكتملة، وقواعد تنظيمية مستقرة، وشبكات قادرة على استيعاب هذا التحول. لذلك، تبدأ المرحلة الأولى بإنشاء شركة مساهمة عامة تحل محل مؤسسة كهرباء لبنان بصورة انتقالية، على أن يلي ذلك استكمال إعادة الهيكلة وفكفكتها إلى كيانات مستقلة للإنتاج، والنقل، والشراء بالجملة، والتوزيع، وفق المراحل التي حددتها ورقة السياسة. وأكدت الهيئة أن هذا التدرج ليس تأجيلاً للإصلاح، بل شرطاً لضمان استمرارية الخدمة أثناء تنفيذه.
وفي ما يتعلق بدوها فقد أوضحت الهيئة أنه لن يقتصر على إصدار التراخيص، بل سيمتد إلى وضع القواعد التنظيمية التي يحتاجها القطاع في مرحلته الجديدة، بما يشمل منهجيات التعرفة، وقواعد السوق، ومدونات/ أكواد الشبكات، وتنظيم مصادر الطاقة الموزعة، ومتابعة التزام جميع الجهات العاملة بالأحكام التنظيمية، بما يضمن تطبيق قواعد واحدة على الجميع وحماية حقوق المستهلكين.
كما تناول المؤتمر موضوع الشبكات الصغرى (Microgrids)، بعدما أثار نقاشاً واسعاً خلال الأشهر الماضية. وأكدت الهيئة أن هذه المشاريع لا تهدف إلى إعطاء أي غطاء قانوني للمولدات الخاصة، ولا تشكل بديلاً دائماً عن شبكة التوزيع العامة، بل هي حل استثنائي يمكن اللجوء إليه في حالات محددة عندما يتعذر تأمين التغذية الكهربائية ضمن مهلة معقولة. وفي جميع الأحوال، تخضع هذه المشاريع لقرار عدم ممانعة يصدر عن الهيئة وفق معايير محددة، وتندمج في شبكة التوزيع العامة فور امتدادها إلى المنطقة المعنية.
اختتمت الهيئة بالتأكيد أن اعتماد ورقة السياسة لا يشكل نهاية مسار الإصلاح، بل بداية مرحلة التنفيذ. فالنتائج لن تتحقق بمجرد إصدار القرارات أو الأنظمة، وإنما بقدرة مختلف الجهات المعنية على تطبيقها بصورة متدرجة، بما يسمح بإعادة بناء قطاع كهرباء أكثر انتظاماً، وتحسين مستوى الخدمة، وتأمين بيئة تنظيمية مستقرة تشجع الاستثمار وتحافظ في الوقت نفسه على دور الدولة في تنظيم هذا المرفق العام.