في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن النفوذ في القطب الشمالي، يجد حلف شمال الأطلسي “الناتو” نفسه أمام معادلة سياسية معقدة، إذ يسعى إلى تعزيز وجوده في المنطقة ليس فقط لمواجهة النشاط العسكري الروسي، بل أيضاً لاحتواء تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غرينلاند، وفق “بوليتيكو”.
ومع اندفاع الحلف إلى تكثيف أنشطته في القطب الشمالي قبيل قمة لوزراء الدفاع تُعقد في بروكسل، الخميس، قال دبلوماسيون وخبراء، إن هذا التحرك يمثل في معظمه “إعادة صياغة موقف” تستهدف “امتصاص غضب” الرئيس الأميركي، رداً على “تهديد مبالغ فيه إلى حد كبير”.
وقالت “بوليتيكو” إنها تحدثت إلى 13 دبلوماسياً في الناتو ومسؤولين في الحلف ومحللين عسكريين، مُنح بعضهم حق عدم الكشف عن هويتهم للتحدث بحرية عن قضايا حساسة. وأشار هؤلاء إلى تحول ملحوظ داخل الناتو باتجاه المنطقة، بفعل ضغوط أميركية مكثفة نجمت عن تهديدات ترامب بضم الجزيرة، لكن هذا التحول تقوده اعتبارات سياسية أكثر من كونه استجابة لضرورة عسكرية مُلحة.
ومع وصف الناتو رسمياً مهمته الجديدة “الحارس القطبي” بأنها “ذات أهمية حاسمة”، تُظهر الجهود الدبلوماسية نية حلفاء الولايات المتحدة إبقاء واشنطن في صفهم، وسط مخاوف من أن يؤدي الفشل في استرضاء ترامب بشأن غرينلاند إلى “عواقب كارثية”.
وقال الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، للصحافيين، الأربعاء: “في مواجهة زيادة النشاط العسكري الروسي وتنامي اهتمام الصين بأقصى الشمال، كان من الضروري أن نقوم بالمزيد”.
وشكلت تهديدات ترامب بشأن غرينلاند، في كانون الثاني الماضي، نقطة تحول لكثير من الدول الأوروبية، إذ رسخت قناعتها بأن الولايات المتحدة “حليف غير موثوق على نحو دائم”. وتخيم هذه القضية على مؤتمر ميونخ للأمن هذا الأسبوع، حيث سيلتقي وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بعدد من قادة الدول الحليفة.
ويقول خبراء إن المخاوف الأمنية “مبالغ فيها إلى حد بعيد”، إذ أن الناتو “قادر تماماً على التعامل مع روسيا في القطب الشمالي”.
وقال كارستن فريس، أستاذ الأبحاث وخبير أمن القطب الشمالي في المعهد النرويجي للشؤون الدولية، وهو مركز أبحاث في أوسلو: “آمل أن يكتفوا بإعادة تسمية بعض الأنشطة الجارية”. وأضاف: “إذا كان هناك عدد كبير من الأفراد.. ولا سيما إذا كان ذلك في غرينلاند، فسيكون الأمر مكلفاً”.
ويرى أحد دبلوماسيي الناتو، أن “التهديد أقرب إلى الافتراضي منه إلى الحقيقي”، مضيفاً أن للمبادرة “بعداً رمزياً وخطابياً واضحاً”.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة “بابليك فيرست” لصالح “بوليتيكو” في خمس دول، أن غالبية المستطلعين في الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا قالوا إن ترامب جاد في مساعيه للاستيلاء على غرينلاند، وأن معظمهم رأى أنه يفعل ذلك من أجل الحصول على الموارد الطبيعية وتعزيز السيطرة الأميركية على القطب الشمالي. ولم يرَ سوى أقلية أن دوافعه ترتبط بأي تهديد صادر عن روسيا أو الصين.