خاص المدى
أعدّ الوزير السابق، القاضي الدستوري سليم جريصاتي مطالعة قانونية تناول فيها “مسألة الإشكال الدستوري والقانوني في موضوع تعديل قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب”، وتنشر”المدى” نصها كما ورد:
“جدل دستوري كبير وساخن يطغى في يومنا هذا على السلطة التشريعية ورئيسها وله خلفيات سياسية واضحة هي مرآة للتشرذم الحاد والحاصل على الساحة اللبنانية.
ما يجب الاشارة اليه أولا أن الحكومة بادرت، بعد تردّد وفي حال من الانقسام الظاهري، إلى ارسال مشروع قانون إلى مجلس النواب بصفة العجلة لتعديل قانون الانتخاب، وهذا أمر يدخل في خانة اختصاصها استنادًا الى المادتين 18 و58 من الدستور، حيث أن المادة 18 تنص على أن لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين، على أن تنشر فقط بعد اقرارها من مجلس النواب، وأن المادة 58 تعطي مجلس الوزراء صلاحية وسم مشروع قانون يقره بصفة العجلة، حتى ان أشير الى ذلك في مرسوم الاحالة جاز لرئيس الجمهورية، بعد مضي أربعين يوما من تلاوته في جلسة عامة في مجلس النواب من دون بتّه، أن يصدر مرسوما بتنفيذ هذا المشروع بعد موافقة مجلس الوزراء.
إضافة الى ذلك، ثمة اقتراح قانون معجل مكرر بتعديل قانون الانتخاب، وهو لم يطرح على مجلس النواب، في حين أنه مؤيد من الاكثرية العادية من أعضاء مجلس النواب.
هذا وقد قيل وكتب الكثير عن صلاحية رئيس مجلس النواب الاستنسابية بطرح الاقتراح أو المشروع المعجل المكرر على المجلس عملا بالمادة 109 من النظام الداخلي لمجلس النواب، هذا النظام الذي يضعه المجلس بقراره المطلق عملا بالاجازة الدستورية الواردة في المادة 43 من الدستور.
إلا أني لم اجد في الجدال الدستوري والقانوني الحاصل وخلفياته السياسية ما يشير الى مبدأ أساس يجد كل مداه في مشاريع أو اقتراحات قوانين تتعلق بتكوين السلطات الدستورية، ألا هو “مبدأ الثبات التشريعي” sécurité juridique Principe de، والمتفرع عنه “مبدأ الثقة المشروعة بالتشريع” Principe de la confiance légitime الذي يعني أن التشريع لا يخضع للهوى السياسي والظرفي والنفعي والمصلحي الخاص أو الفئوي، فتتبدّل النصوص المنشئة للسلطات بتبدّل الأهواء والمصالح السياسية، فتتعدّل موازين القوى ظرفيًا ولا تراعي في شيء “صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفعالية ذلك التمثيل”، والمقصود صدقيته Sincérité du scrutin ، على ما أتى في وثيقة الوفاق الوطني تحت عنوان “المبادىء العامة والاصلاحات- 3/ج الاصلاحات الاخرى: قانون الانتخابات النيابية”.
ولا يغير في شيء أن يكون المجلس سيد نفسه، بل ان ثمة ضوابط لعمله ككل سلطة، وكان على النواب ان يبادروا على اقتراح تعديل قانون الانتخاب من دون تماس مع موعد هذا الاستحقاق الدستوري، فيأتي التشريع متوافقا والمبادىء الدستورية العامة على ما يجب ان يكون، سيما ان اكثر من مفصل هام في قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب الراهن لم يجد طريقه الى التنفيذ بعد. اما اللجان، فحدّث ولا حرج عن التجاذبات التي تعصف بها وتشل قدرتها على الانتاج الفعلي وتجاوز الشعبوية.
الا ان الاهم يبقى ان يحصل هذا الاستحقاق المحوري في موعده عملا بمبدأ تداول السلطة، لا سيما في مقتبل عهد واعد لا يحتمل تفاقم حالات تعثر انطلاقته”.
قراءة سياسية
وفي السياق، شدّد جريصاتي على أنّ مسألة إجراء الانتخابات أو التمديد للمجلس النيابي تُقرأ أولًا في السياسة، مشيرًا إلى أنّ الدول المعنية بالوضع اللبناني، وتحديدًا الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية، تُبدي رغبة واضحة في إجراء الانتخابات في موعدها، أملاً في أن تفرز توازنات جديدة تتلاءم مع متطلبات المرحلة، لا سيما في ما يخصّ ملف السلاح، ومسار التفاوض مع إسرائيل، والإصلاحات الاقتصادية والمالية، والمحاسبة.
وأضاف: “في هذا الإطار، يظهر رئيس الجمهورية تمسكًا جديًا بإجراء الانتخابات في موعدها، على اعتبار أن هذا الاستحقاق الدستوري يشكّل محطة مفصلية في العهد الرئاسي الذي يرفع شعار نهوض الدولة ومؤسساتها. كما يتطلع الرئيس إلى تسجيل إنجاز مبكر يُحسب له على صعيد التداول السلمي للسلطة، بعيدًا عن استنساخ تجارب التمديد السابقة.”
فالانتخابات تُنتج سلطتين: تشريعية وتنفيذية. ومن هنا، قد يكون رئيس الجمهورية معنيًا بشكل مباشر بالسلطة التنفيذية المقبلة، التي يأمل أن تتكوّن من فريق متجانس وقادر على تنفيذ خطة إنقاذ شاملة تُخرج البلاد من دوّامة الجمود والتجاذبات السياسية التي تخنق كل محاولة إصلاح جدّي.
ورأى جريصاتي أن السؤال يبقى مطروحًا في ظلّ تساؤلات تتردّد في دوائر القرار الدولي الكبرى حول ما إذا كانت الانتخابات النيابية المقبلة، وعلى غرار نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، ستؤدّي إلى تكريس تمثيل وازن أو شبه كامل للثنائي الشيعي في البرلمان، ما من شأنه أن يُضعف الرهانات على تغيير فعلي في موازين القوى. وتزداد هذه المخاوف مع ما يُحكى عن تحالفات انتخابية مرتقبة قد تُعزز من حضور الثنائي ودوره في السلطتين التشريعية والتنفيذية، بما يعيد إنتاج المشهد السياسي نفسه، ويضع علامات استفهام حول فرص التغيير والإصلاح الفعلي.
وأشار جريصاتي إلى أن دوائر القرار الدولي تتابع بدقة مدى انعكاس شرعية الاقتراع واستمرار تمثيل الثنائي الشيعي وحلفائه على مسارات حساسة، مثل ملف السلاح، ومسار التفاوض، والإصلاح، والمحاسبة. وفق هذه المقاربة، فإن تجديد الشرعية الشعبية للثنائي قد يساهم في تبديد الهواجس المتعلقة بسلاحه، باعتبار أن هذا السلاح يصبح مغطى بغطاء انتخابي وشعبي، ما يُضعف المخاوف من محاولات لإقصاء الطيف الشيعي من النظام السياسي.
لكن، في المقابل، فإن الطرح القائل بالتعويض عن السلاح بمنح الطائفة الشيعية دورًا أوسع في النظام، يثير توجسًا كبيرًا لدى شرائح لبنانية أخرى، وهو طرح يصطدم عمليًا باتفاق الطائف، الذي لا تزال دول القرار تعتبره الإطار الأصلح والوحيد لإنقاذ لبنان من الأزمات المتراكمة التي تهدد كيانه.
وأكد جريصاتي أن تداول السلطة بحدّ ذاته، لاسيما وأنها التعبير الأبرز عن الإرادة الشعبية في النظام البرلماني الديمقراطي، يُعدّ مؤشرًا أساسيًا على عافية وطنية بات لبنان بأمسّ الحاجة إليها، لمواكبة متغيرات محيطه ومواجهة التحديات والمخاطر التي تتهدده.
وختم جريصاتي بالقول: قد يكون الانتظار سمة المرحلة، لكن لبنان لا يملك ترف الوقت، وليس كلّ تأنٍ دليلًا على الحكمة أو السلامة.