تنطلق اليوم جولة تفاوضية جديدة حول الملف النووي في جنيف، في ظل تهديد أميركي عسكري مستمر، وتحريض إسرائيلي متواصل، بينما تتمسّك إيران بخطوطها الحمراء، مؤكدة أن أي اعتداء عسكري سيواجه بردع صارم لا سقوف له، في رسالة واضحة بأن التفاوض يظل الخيار المفضّل، لكنه لن يتم على حساب السيادة أو القدرات الدفاعية، مع تحذير من أن أي مسار نحو الحرب قد يجرّ تداعيات غير محسوبة تمتد لتشمل المنطقة بأسرها.
الخبير بالشؤون الايرانية د. حسن حيدر لفت الى أن الضغط العسكري المتزامن مع التفاوض ليس جديدًا، بل سمة ملازمة للمسار التفاوضي. وما يميز المرحلة الراهنة، هو شعور الإدارة الأميركية الحالية بفائض القوة، ما يعزز اعتقادها بأن التهديد العسكري قد يفضي إلى انتزاع تنازلات سياسية عبر تخويف الخصم من مواجهة مباشرة مع القوة الأميركية المنتشرة في المنطقة.
وقال حيدر: في هذا السياق، تكرّرت الرسائل المتبادلة أخيرًا، سواء مباشرة أو عبر وسطاء إقليميين، مؤكدة الموقف الأميركي الثابت: لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. في المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها النووي سلمي، وأنها مستعدة لتقديم ضمانات تثبت أن نياتها لا تتجه نحو تصنيع سلاح نووي.
وعلى مدى سنوات، كان يُقال إن إيران باتت على عتبة إنتاج قنبلة نووية، وعلى بعد أشهر قليلة من ذلك. ولو كانت راغبة فعليًا في التصنيع، لكانت فعلت ذلك حينها، إذ تمتلك التقنيات ودورة الوقود النووي الكاملة. غير أن هذا الخطاب استخدم أساسًا كأداة ضغط سياسي وإعلامي.
وقد كرّر نتنياهو هذا الطرح أمام الأمم المتحدة، مؤكّدًا أن إيران على بُعد أسابيع من إنتاج القنبلة. غير أن السنوات أثبتت عدم تحقق هذا التقدير، ما يعكس أن إيران لم تتخذ قرارًا بتصنيع سلاح نووي، كما استندت إلى فتوى المرشد الأعلى التي تحرّم امتلاك هذا السلاح، وأعلنت التزامها بها.
أما رفع نسبة التخصيب إلى 60%، فتم في إطار تصعيد تفاوضي ووفق تشريعات داخلية، مع تأكيد أن الحاجة الفعلية للأغراض السلمية لا تتجاوز 20% لتشغيل مفاعل الأبحاث في طهران، إضافة إلى نسبة 3.67% لتشغيل مفاعل بوشهر النووي لإنتاج الطاقة الكهربائية.
وترى طهران أن الحديث المستمر عن الخطر النووي يُستغل كأداة ضغط سياسية وذريعة للإبقاء على الملف مفتوحًا لممارسة ضغوط في ملفات أخرى.
ولفت حيدر الى أن إيران دخلت المفاوضات حصراً من بوابة الملف النووي، مصممةً على حصر البحث بهذا العنوان من دون غيره. فهي تعتبر برنامجها الصاروخي مسألة دفاعية بحتة تدخل في صلب سيادتها وأمنها القومي، ولا يمكن إدراجه ضمن أي مسار تفاوضي خارجي.
كما ترى أن دورها الإقليمي شأن سياسي تمارسه كما تفعل الدول الأخرى. فالولايات المتحدة نفسها تمتلك شبكة تحالفات واسعة في المنطقة، وتقدّم دعماً عسكرياً وسياسياً لإسرائيل وعدد من حلفائها، وتُجري ترتيبات تخدم مصالحها الاستراتيجية. وبالمنطق ذاته، تؤكد إيران أن من حقها، وفق القانون الدولي، إقامة علاقات وتحالفات خارجية تؤمّن مصالحها وأمنها القومي، وأن أي محاولة لإدراج هذه السياسات ضمن المفاوضات تُعدّ تدخلاً في شؤونها السيادية.
وعليه، قال حيدر، ترفض طهران التفاوض في ملفي الدور الإقليمي والقدرات الصاروخية، معتبرة إياهما شأنين دفاعيين وسياديين لا يحق للولايات المتحدة فرض شروط بشأنهما. كما تعتبر منظومتها الصاروخية ركيزة الردع الأساسية لديها، توازن أي تهديد محتمل وتشكل عنصر قوة يُؤخذ في الحسبان من إسرائيل والولايات المتحدة ودول المنطقة عند التفكير بأي مواجهة مباشرة.
وترى طهران أن التخلي عن هذه القدرة يعني التفريط بأداة الردع الوحيدة القادرة على منع الحرب، ما يُعدّ مساسًا بسيادتها وأمنها القومي. وقد شدّد وزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب القيادة الإيرانية، على هذا الموقف مراراً، مؤكّدين أن هذه الملفات غير قابلة للتفاوض، وأن أي مسار تفاوضي سيبقى محصوراً في الإطار النووي وحده.
وأكد حيدر أن إيران دخلت المفاوضات النووية مركّزة على الملف النووي حصراً، رافضة إدراج برنامجها الصاروخي والدور الإقليمي في أي حوار، معتبرة أنهما شأن دفاعي وسيادي لا يحق للولايات المتحدة فرض شروط بشأنهما. وتؤكد أن منظومتها الصاروخية تمثل ركيزة الردع الأساسية، وأن التخلي عنها سيكون مساسًا بسيادتها وأمنها القومي.
وتوضح طهران أن أي اتفاق لا يفضي إلى رفع فعلي للعقوبات سيكون فاشلاً، ولن تقدم تنازلات تمس جوهر برنامجها النووي، مع التزامها بإنتاج الوقود النووي محليًا لتشغيل مفاعل الأبحاث في طهران والمفاعلات الكهربائية في بوشهر والمفاعلين الآخرين قيد الإنشاء، بما يضمن استمرارية إنتاج الكهرباء والعلاج الطبي.
أما الجانب الاقتصادي، فتشير إيران إلى استعدادها للانفتاح على شراكات اقتصادية، بما فيها مع شركات أميركية، لتطوير الطاقة والمعادن والنقل، لكن ذلك يُنظر إليه كامتداد طبيعي لرفع العقوبات وليس تنازلاً سياديًا. ويُعتبر هذا البعد عاملاً لجذب الولايات المتحدة ودفعها لتثبيت أي اتفاق مستقبلي.
إيران أكدت، بحسب حيدر، أنه حتى في حال انهيار المسار التفاوضي، لن تغيّر عقيدتها النووية ولن تتجه إلى تصنيع قنبلة نووية. وما ستقوم به، بحسب خطابها الرسمي، هو إعادة ترميم دورة الوقود النووي التي تضررت أجزاء منها في الاعتداءات الأخيرة، والمضي قدمًا في تطوير برنامج نووي محلي الصنع، مع استمرار عمليات التخصيب داخل الأراضي الإيرانية.
وترى طهران أن التلويح بالخيار العسكري يندرج أساسًا ضمن إطار الضغط السياسي، غير أن أي انزلاق إلى مواجهة فعلية يبقى محفوفًا بمخاطر يصعب ضبطها أو التكهن بمآلاتها. فالحرب الواسعة أو حرب الاستنزاف ليست في مصلحة الولايات المتحدة ولا المنطقة، وحتى فرضية الضربة الخاطفة أو العمليات المحدودة لا تضمن عدم اتساع رقعة المواجهة.
وأعلنت إيران بوضوح أن أي حرب لن تكون بلا سقوف، وأنها لن تعتمد سياسة الضربة مقابل الضربة أو امتصاص الهجمات، ما يعني من وجهة نظرها أن أي عدوان لن تكون نتائجه مضمونة، سواء على مستوى القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة أو المصالح الأميركية الأوسع.
وتميز طهران بين القواعد العسكرية، المعروفة المواقع والمحصّنة، وبين شبكة المصالح الأميركية الاقتصادية والمالية والتجارية والسياسية المنتشرة في محيطها الإقليمي، ولا سيما المرتبطة بسوق الطاقة والنفط والغاز. فوفق القراءة الإيرانية، تشكّل هذه المصالح عصب الاقتصاد الإقليمي والدولي، ما يجعل أي تصعيد عسكري مغامرة مرتفعة الكلفة.
وعليه، فإن أي ضربة محتملة قد تفتح الباب أمام حرب غير محسوبة النتائج من حيث مدتها، وآلياتها، وقواعد الاشتباك، سواء على المستوى البحري أو في مناطق برية أو امتداد السواحل الغربية للخليج، وهي سيناريوهات معقدة ترفع الكلفة على الطرفين وتجعل خيار الحرب محفوفًا بمخاطر استراتيجية صعبة السيطرة عليها.
ولفت حيدر الى أن اسرائيل تنظر بقلق إلى احتمال صمود إيران في وجه الضغوط والتهديدات، وخروجها من المواجهة أكثر قوة وثباتًا. فوفق هذا التحليل، فإن عدم إضعاف إيران قد يشجّع قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا وباكستان، على اتباع سياسات أكثر استقلالية في مواجهة التوجهات الأميركية والإسرائيلية.
وترى إسرائيل أن تشكّل محاور إقليمية معارضة لها، سواء وُصفت بمحور شيعي” أو حتى بمحور سنّي رافض لسياساتها، يمثل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، ومن هنا تسعى إلى ضرب بيئات النفوذ المرتبطة بإيران، مستفيدة من الدعم الأميركي ومظلّته السياسية والعسكرية.
ويبرز في هذا السياق تخوّف من سيناريوهات قد توسّع رقعة المواجهة، سواء عبر احتكاكات عسكرية غير محسوبة أو عمليات تستدرج الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع إيران، ما قد يؤدي إلى تدحرج التصعيد وتبادل الضربات على نطاق أوسع. ويُعدّ هذا الاحتمال من أخطر ما قد يواجه المنطقة، نظرًا لما يحمله من تداعيات يصعب احتواؤها.
في المقابل، تؤكد طهران أنها دخلت المفاوضات من موقع قوة، ولم تتراجع عن شروطها الأساسية. فالطرح الأميركي كان يضم ثلاثة ملفات في سلة واحدة: النووي، والصاروخي، والدور الإقليمي. إلا أن إيران نجحت في تجزئة هذه العناوين، وحصر التفاوض في الملف النووي فقط، رافضة إدراج الملفات الأخرى على جدول الأعمال.
وختم حيدر بالقول: يُنظر إلى ذلك في طهران على أنه دليل على أن قرار الدخول في المفاوضات لم يكن نتيجة ضغط أو تهديد، بل خيار محسوب ضمن استراتيجية تفاوضية واضحة. كما أن قبول الجانب الأميركي بحصر البحث في الملف النووي يُعدّ اعترافًا عمليًا بالإطار الذي فرضته إيران.
وعليه، تُقدّم المباحثات الجارية، ولا سيما بعد الجولة الثالثة في جنيف، على أنها مفاوضات تُدار بندّية نسبية، وستتضح نتائجها وفق ما ستفضي إليه الجولات المقبلة.