بين تصعيد الخطاب السياسي ومحدودية الأثر العملي، تبرز تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة حول روسيا والحرب في أوكرانيا كمؤشر على تعقيد المشهد الدولي. ففي وقت يحقق فيه الجيش الروسي تقدمًا ميدانيًا ملحوظًا، تسعى واشنطن إلى إعادة تموضع تكتيكي عبر رسائل ضغط وتلميحات بمراجعة دعمها لكييف.
وراء هذا التبدل في اللهجة الأميركية، تكمن حسابات دقيقة تتعلق بالمصالح الأميركية وتوازناتها مع الحلفاء، ورهانها على استنزاف موسكو. في المقابل، تبدو القيادة الروسية غير معنية كثيرًا بهذه التصريحات، ما يعكس ثقة متزايدة بموقعها الميداني والسياسي.
فهل نحن أمام لحظة تحوّل في مجرى الحرب، أم أنها حلقة جديدة في صراع الإرادات الطويل بين موسكو والغرب؟
فبالرغم من أن تصريحات ترامب أثارت جدلاً واسعاً، إلا أن الباحث في الشؤون الأوروبية أكثم سليمان، المقيم في ألمانيا، قلل من تأثيرها على الجانب الروسي، مؤكداً أنها محدودة جداً. إذ اعتادت موسكو سماع العديد من التصريحات من دون أن تعلق عليها، وتركيزها يبقى منصباً على الأمور الميدانية المهمة. واعتبر سليمان أن هذه التصريحات تشكل رسالة استياء أرسلها ترامب إلى موسكو، تعبيراً عن تبرّم أو تفصيل صغير في سياق مفاوضات أو مناقشات جارية بين الطرفين، وليس بالضرورة بداية لتصعيد شامل.
وأشار سليمان إلى أن ترامب شخص مزاجي، يجمع بين مدح روسيا وانتقادها في فترات قصيرة، مستخدماً هذه المزاجية كأداة ضغط لدفع روسيا نحو مفاوضات أكثر مرونة. وأكد أن هذه المواقف تعبر عن رغبة أميركية في تحقيق تنازلات من الجانب الروسي، مع توقعات بأن طاولة المفاوضات ستشهد بعض التنازلات من الجميع للوصول إلى حلول وسط.
و رأى سليمان أن واشنطن تحاول في هذا السياق الضغط على القيادة الروسية لتقديم تنازلات في الملف الأوكراني، لكن الأمر ليس بسيطاً، فملف أوكرانيا حساس جداً بالنسبة لموسكو، وتقديرها للأهمية الاستراتيجية يختلف عن تقدير واشنطن له. وفي المقابل، تستمر الإدارة الأميركية في مدح الجيش الأوكراني وتقديم الدعم له، رغم التقدم الروسي الميداني الواضح، كجزء من محاولة للحفاظ على مبررات الدعم الأميركي من دون الاعتراف بفشل السياسة.
وعلى صعيد القيادة الأوكرانية، أشار سليمان إلى وجود مزيج من الانتقادات الدولية للأداء العسكري، موضحاً أن تصريحات واشنطن الأخيرة تعكس محاولة للحفاظ على ماء الوجه أمام الناخبين والداعمين، مع اعتراف ضمني بصعوبات الوضع الميداني.
من جهة أخرى، أكد سليمان أن تصور تدخل غربي مباشر أكبر في الصراع الأوكراني صعب للغاية بسبب عوامل موضوعية وسياسية تحول دون ذلك. وعلى الرغم من الضغوط التي يمارسها بعض الأطراف الأوروبية للتوسع في مشاركتهم بالأزمة، لا يُتوقع أن تتحول هذه الضغوط إلى تدخل عسكري أميركي مباشر يتجاوز نطاق الدعم الحالي المتمثل بالخبراء والأسلحة والتقنيات.
أما داخل روسيا، فإن تصريحات ترامب حول وفاة الجنود لا تؤثر بشكل كبير على الرأي العام الروسي، الذي لا يعتمد على هذه التصريحات الخارجية لتقييم قيادته. وأوضح سليمان أن المجتمع الروسي اعتاد على تكاليف الحروب الثقيلة، ويدرك أن الحديث عن موت الجنود ليس جديداً، لذا تُعتبر هذه التصريحات مجرد دبلوماسية ذات غطاء إنساني تستخدمها واشنطن لتبرير مواقفها.
وبالنظر إلى الموقف العام، يرى سليمان أن الحرب في أوكرانيا مرشحة للانتهاء قريبًا، لأن أسباب اندلاعها بدأت تفقد مفعولها، حيث لم يتحقق الهدف الغربي المتمثل في إضعاف روسيا. من الناحية العسكرية، لا أفق للجانب الأوكراني لاسترجاع الأراضي المفقودة، مما يجعل من الضروري صياغة اتفاقيات سياسية وأمنية تعكس الواقع على الأرض، مع بقاء التمسك الروسي بالمناطق الجديدة ومخاوفها الأمنية من الأولويات، وهو ما يشير إلى ضرورة احترام الموازين الأمنية في أي حل مستقبلي.
واكد سليمان اخيرا اصرار روسيا على موقفها الثابت في نقطتين أساسيتين: أولاً، عدم التخلي عن السكان الروس في أوكرانيا والمناطق التي تم ضمها مؤخرًا والتي أصبحت جزءًا من الدستور الروسي، حيث يقطنها مواطنون روس. وثانيًا، التمسك بالمخاوف الأمنية الجوهرية التي تشكل محور سياستها، إذ إن القضية تتجاوز مسألة الأراضي لتشمل ملفًا أمنيًا مستمرًا حتى في حال اعتراف أوكرانيا بسيادة روسيا على تلك المناطق. وهذا يستلزم وضع حدود أمنية واضحة تمنع أوكرانيا والحلف الغربي من تجاوزها، حفاظًا على المصالح الاستراتيجية لموسكو.
في ظل هذه المعطيات، يبقى المشهد معقدًا ومتشابكًا، تتداخل فيه المصالح وتتغير التوازنات باستمرار. لكن من الواضح أن الاستقرار الدائم لن يتحقق إلا عبر تفاهمات سياسية تراعي المخاوف الأمنية لكل الأطراف، وأن أي تصعيد أو مواقف انفعالية لن تصب في مصلحة السلام. يبقى المستقبل مفتوحًا، ويعتمد بشكل كبير على قدرة القوى الدولية والإقليمية على التوصل إلى حلول واقعية تحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة