في ظل التوترات والتغيرات السريعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تسعى تركيا لإعادة تأكيد دورها كلاعب رئيسي في المنطقة، عبر جولة يقوم بها الرئيس رجب طيب أردوغان اعتبارا من اليوم وتشمل الكويت وقطر وسلطنة عُمان بهدف تعزيز علاقاتها مع دول الخليج. وتأتي هذه الجولة في وقت حساس، حيث تسعى أنقرة إلى بناء تحالفات قوية لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والإنسانية المتزايدة. فما الرسائل التي تحملها هذه الزيارة؟ وما هي أهداف تركيا في هذه المنطقة الحيوية؟
من اسطنبول، أكد المحلل السياسي التركي جواد غوك أن زيارة أردوغان الخليجية تهدف إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع هذه الدول. وتأتي هذه الجولة في إطار تحركات تركية أوسع لإعادة تموضع أنقرة كفاعل رئيسي في المنطقة، خصوصًا في ظل التطورات المتسارعة في غزة والتوترات المتزايدة بين إيران وإسرائيل.
وأشار غوك إلى أن تركيا تسعى من خلال الزيارة إلى توحيد وجهات النظر مع العواصم الخليجية، لتعزيز التنسيق السياسي الذي يدعم دورها الإقليمي، لا سيما في القضية الفلسطينية. وترى أنقرة في قطر والكويت وسلطنة عمان شركاء أساسيين في جهود إعادة إعمار قطاع غزة، الذي يحمل أبعادًا إنسانية واقتصادية كبيرة.
فتركيا تعطي أولوية كبيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي نظرًا لحاجتها المتزايدة للاستثمارات والدعم المالي، وتسعى لعقد شراكات استراتيجية تساهم في تخفيف الضغوط على اقتصادها. كما تعتبر الجولة فرصة لبحث بدائل في مجال الطاقة، في ظل سعي تركيا لتقليل اعتمادها على الغاز والنفط الروسي عبر تنويع مصادرها من دول الخليج.
ورأى غوك أن هذه التحركات تشكل جزءًا من تغيير شامل في السياسة الخارجية التركية منذ عام 2021، حيث بدأت أنقرة بمراجعة مواقفها تجاه عدة دول، بما في ذلك خصوم سابقين مثل مصر، واعتمدت نهجًا جديدًا يرتكز على تخفيف التوترات وبناء شراكات استراتيجية مستدامة في المنطقة.
القضية الفلسطينية، وبشكل خاص ما يحدث في غزة، ستكون محور اهتمام زيارة أردوغان إلى الدول الخليجية الثلاث، بحسب غوك. فأنقرة تدرك أن إعادة إعمار غزة تتطلب جهودًا إقليمية واسعة، ولا يمكن تحقيقها من دون مشاركة فعالة من دول الخليج، سواء من الناحيتين المالية أو اللوجستية. تلعب تركيا دورًا محوريًا في هذا الإطار، وتسعى لأن تكون وسيطًا فاعلًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مستندة إلى علاقاتها المتوازنة مع الطرفين، بالإضافة إلى علاقاتها الوثيقة مع واشنطن.
إلا أن غوك لفت إلى أن أنقرة لا تسعى إلى دور وسيط رمزي فقط، بل ترغب في حضور فاعل على الساحة من خلال المشاركة في العمل الإنساني والإغاثة، وتمهيد الطريق لإعادة الإعمار. وفي الوقت ذاته، تواجه تركيا ضغوطًا اقتصادية كبيرة، ما يجعلها بحاجة إلى دعم مالي من دول الخليج، لا سيما قطر التي تلعب دورًا مركزيًا في الملف الفلسطيني وتستضيف قيادات من حركة حماس.
لذلك، تدرك أنقرة أهمية التنسيق مع الدوحة في هذا الملف، وتسعى أيضًا لإقناع الكويت وسلطنة عمان بلعب أدوار داعمة، سواء على الصعيد السياسي أو الإنساني. تأتي هذه الجهود في سياق سعي تركيا لإعادة رسم سياستها الخارجية بما يعزز مكانتها الإقليمية، خصوصًا بعد التحولات الكبرى التي شهدتها منذ عام 2021.
واعترف غوك أن الاتفاقيات المرتقبة خلال جولة أردوغان تمثل خطوة مهمة ضمن إعادة التموضع الاقتصادي التركي في المنطقة، وتأتي كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز حضور أنقرة الإقليمي من خلال شراكات اقتصادية قوية.
وذكر غوك أن أبرز المجالات التي تستهدفها تركيا لتعزيز التعاون مع دول الخليج تشمل الطاقة، والصناعات الدفاعية، والاستثمار، والسياحة. وفي قطاع الطاقة بشكل خاص، تسعى تركيا لأن تكون بوابة لنقل الطاقة الخليجية إلى أوروبا، ما يمنحها دوراً استراتيجياً متزايد الأهمية.
ورأى أن التنسيق مع دول الخليج في هذه المرحلة ضرورة استراتيجية، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية وتعدد الجهات الدولية والإقليمية التي تسعى للوساطة في أزمات المنطقة. تركيا تطمح لأن تكون لاعباً فاعلاً رئيسياً، لا مجرد طرف مراقب، وتسعى لبناء توازنات جديدة في الشرق الأوسط تراعي مصالحها وشراكاتها المتنوعة، سواء مع الغرب أو الشرق.
وشدد غوك على أن الرسالة التي تحملها جولة أردوغان إلى دول الخليج واضحة وقوية، إذ تقدم تركيا نفسها كشريك موثوق ومستقر يعزز السلام الإقليمي، خصوصًا في ملف غزة ودعم الحقوق الفلسطينية. كما تؤكد أنقرة على أهمية الحوار الجماعي والتعاون المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية المشتركة، مثل الإرهاب وأمن الطاقة، في ظل بيئة إقليمية متقلبة.
تعكس هذه الجولة طموح تركيا في لعب دور أكبر في إعادة تشكيل النظام الإقليمي، خصوصاً في ظل التراجع النسبي للدور الأميركي على الساحة الإقليمية وتصاعد النفوذ المتزايد لقوى دولية مثل الصين وروسيا. تدرك أنقرة أن إعادة التموضع الاستراتيجي يتطلب بناء تحالفات مرنة وشراكات قوية، لا سيما مع دول الخليج التي تشكل قوة اقتصادية وسياسية أساسية في المعادلة الإقليمية الجديدة.
وأشار غوك إلى أن تركيا تسعى لتحويل هذه الطموحات واقعًا ملموسًّا من خلال توقيع اتفاقيات ثنائية في مجالات متعددة تعزز التعاون الاقتصادي والسياسي بين أنقرة والعواصم الخليجية، في ظل القفزة النوعية التي شهدها حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول الخليج، والذي ارتفع من نحو 1.5 مليار دولار قبل عهد أردوغان إلى أكثر من 22 مليار دولار حالياً.
وتوقّع غوك أن تسفر هذه الجولة عن توقيع اتفاقيات قوية وواسعة النطاق، تعكس رغبة أنقرة في بناء شراكات اقتصادية متينة ومستدامة مع دول الخليج. واعتبر أن هذه الاتفاقيات قد تفتح الباب أمام تكامل إقليمي أوسع، يُسهم في تعزيز الاستقرار ومواجهة التحديات السياسية والاقتصادية المتزايدة التي تمر بها المنطقة.