بنت جبيل، مدينة لبنانية عريقة ذاع صيتها في كل مكان، هي عاصمة قضاء بنت جبيل في محافظة النبطية. يحدّها؛ عيناثا وكونين والطيري شمالاً، عين إبل غرباً، يارون ومارون الراس جنوباً، وعيترون شرقاً. تبعد كيلومترات قليلة من الحدود مع فلسطين المحتلة، و120 كيلومتراً عن العاصمة بيروت. ترتفع عن سطح البحر 750 متراً، وتمتدّ على مساحة 9 كلم مربّع. تشتهر اليوم بزراعة العنب والزيتون والقمح بعدما اشتهرت قديماً بزراعة التبغ وصناعة الأحذية.
اختلفت التفسيرات التي تشرح معنى اسم المدينة، لكن القصة الأكثر تداولاً عنه هي أنّ أميرة من أميرات مدينة جبيل هربت من الزواج الإجباري عن طريق الضغط وأتت إلى هذه البلدة وأنشأت إمارة صغيرة، لذلك سمّيت بنت جبيل.
بنت جبيل من أكبر المدن المحرّرة، وتاريخها حافل بالمقاومة والصمود، فقد قاومت كل أشكال الاحتلال، بدءاً من الاحتلال العثماني الذي حاول “تتريك” أبنائها، مروراً بالاحتلال الفرنسي لكنّها ثارت في وجهه سنة 1936، وصولاً إلى الاحتلال الاسرائيلي المتكرّر، إلا أنها سطّرت ملاحم بطوليّة في وجه العدو، فأُطلق عليها لقب “عاصمة المقاومة والتحرير”، وما زالت تحمله حتى اليوم “وبكل فخر”، كما أكّد رئيس بلديتها عفيف بزّي، “وقد قدّمت في سبيل ذلك عدداً كبيراً من الشهداء إنضمّ اليهم خلال الحرب الأخيرة 113 شهيداً من بينهم 80 شهيداً من “حزب الله” و33 شهيداً مدنياً، لكنّ دماءهم أثمرت عزّاً وانتصاراً وتحريراً وسيادة واستقلالاً. وعليه، لا يمكن الحديث عن المقاومة من دون ذكر عاصمتها، بنت جبيل”.
وقد شكّلت هذه المدينة حاضنة للمقاومة الفلسطينيّة وسُمّيت “بوّابة لفلسطين”، إذ انطلق منها العمل الفدائي لمحاربة الصهاينة الذين اغتصبوا أرض فلسطين عام 1948 .
واستذكر بزّي محطة التحرير عام 2000 بعد 22 عاماً من الإحتلال الإسرائيلي وإطلاق الأمين العام لـ”حزب الله”، سيّد الشهداء، على بنت جبيل، لقب “عاصمة المقاومة والتحرير” وعبارته الشهيرة “إنّ اسرائيل هذه هي أوهن من بيت العنكبوت” وذلك من ملعب المدينة، فنالت عام 2006 النصيب الأكبر من الدمار، لكن العدوّ فشل في محاولاته الدخول اليها لزرع علم اسرائيل في الملعب، قبل أن يعيد الكرّة خلال الحرب الأخيرة ويفشل أيضاً، وذلك بفضل صمود المجاهدين ودماء الشهداء، وبفضل المعادلة الذهبية “جيش وشعب ومقاومة” التي نؤمن بها جميعاً في الجنوب الصامد”.
العدوان الإسرائيلي الأخير على البلدة تسبّب بتدمير حوالى 120 مبنى يحتوي على 192 وحدة سكنية تدميراً كاملاً، بالإضافة إلى تضرّر 90 بالمئة من المنازل، وبتدمير مبنى البلدية بالكامل بعد، واستهدفت الغارات البنى التحتية في البلدة فتضررت شبكات الكهرباء والمياه والهاتف والخليوي. لكنّ رئيس البلدية أوضح أنّ نسبة الدمار في البلدة لا تتجاوز الـ 15 بالمئة من الدمار الذي تسبّب به عدوان تموز 2006.
يبلغ العدد الإجمالي لسكان بنت جبيل الأصليين حوالى خمسين الف نسمة، يتواجد منهم في المدينة نسبة 10 بالمئة فقط. وفي خلال الصيف ومع انتقال سكانها من بيروت وعودة بعض مغتربيها يرتفع العدد من خمسة آلاف الى نحو سبعة آلاف و500 نسمة.
بالرغم من وقف إطلاق النار، واصل العدو انتهاكاته للإتفاق سواء بتحليق الطيران الحربي أو بإطلاق المسيّرات والرصاص، ولكنّ هذا الأمر لم يثنِ الأهالي عن عودتهم إلى منازلهم وترميمها والثبات في أرضهم، كما أكّد بزّي، شارحاً أنّ البلدية عملت فوراً سريعاً على فتح الطرقات وإزالة الركام خلال وقت قصير، وعلى سحب جثامين الشهداء، فيما انصرف مجلس الجنوب إلى الكشف على البيوت المدمّرة كلّياً لدفع بدلات الإيواء لأصحابها. وأوضح أنّ الحياة قد بدأت تعود إلى طبيعتها بعد توفير مقومات الصمود الأساسية، فيما العمل جار على صيانة شبكات الكهرباء والمياه والهاتف وشبكتي الخليوي. كذلك استحدثت البلدية مقرّاً جديداً لها، وتمّ تجهيزه بالمفروشات والأغراض اللوجستية، ففتحت أبوابها فور العودة أمام المواطنين لإنجاز معاملاتهم وتلقّي مراجعاتهم وشكاويهم.
وأكد بزّي على الدور المهم للمجلس البلدي، “فعلى عاتقه تقع مهمّة تأمين الخدمات فغياب الدولة فرض على البلدية التصدّي لمشاكل الكهرباء والمياه والطرقات والهاتف”، مذكّراً بأنّ بنت جبيل هي مدينة ادارية بامتياز، ففيها مبنى “اتّحاد بلديّات قضاء بنت جبيل” ويضمّ السرايا، إضافة إلى دوائر رسميّة، محاكم، الأمن العام، المالية، دائرة النفوس، فصيلة الدرك ودوائر شؤون عقارية ومساحة وتنظيم مدني ومالية، وفيها سجن، يقصدها أهالي قرى القضاء لإنجاز معاملاتهم، ما يتطلّب من البلدية جهداً أكبر لتسيير شؤونهم.
وشرح أنّ بنت جبيل هي مدينة تجارية بامتياز، ويقصدها الجميع لشراء احتياجاتهم من سوق الخميس التراثي الشعبي، وعرض بضائعهم ومنتجاتهم، فكان مقصد أهالي قرى شمال فلسطين قبل نكبة العام 1948، وتجّار مصر والأردن وبلاد الشام، ولا يزال هذا السوق مشهوراً وإن خفّت أهمّيته بعض الشيء اليوم، لكنه يبقى السوق الشعبي الأهمّ في منطقة جبل عامل، وعمره أكثر من 500 سنة، ويستقطب أهالي كل المناطق المجاورة لبنت جبيل.
اخيراً، دعا بزيّ اللبنانيين عموماً، والجنوبيين خصوصاً إلى الحذر دائماً بالرغم من الإنسحاب الإسرائيلي الجزئي “لأنّ عدوّنا لا يؤمن له جانب”.






