في ظل الأزمة الأوكرانية تأتي زيارة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى موسكو في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد الضغوط المتبادلة بين واشنطن وموسكو. فبينما يلوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض عقوبات تجارية صارمة، ويربطها بسقف زمني متقلّب، ترد روسيا بتحركات عسكرية واستراتيجية، منها تعزيز وجودها النووي في البحار عبر غواصات متقدّمة. في المقابل، يظهر بوتين بثبات وهدوء، متمسكًا بشروطه الاستراتيجية، ومستعدًا لمناورات سياسية محسوبة قد تمنحه مكاسب دون تقديم تنازلات جوهرية. هذا المشهد المعقّد يفتح الباب أمام تساؤلات حول حقيقة المفاوضات المنتظرة: هل هي خطوة نحو تهدئة جدية، أم مجرد فصل جديد من الحرب الباردة بطابع دبلوماسي؟
مدير مركز جي إس إم للأبحاث والدراسات في موسكو د. آصف ملحم أكد أن زيارة ويتكوف جاءت بدعوة روسية رسمية، ويحمل مقترحات لم تُكشف تفاصيلها بعد. وقد أشار الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو لاحتمال موافقة موسكو على هدنة جوية، وتعني وقف استخدام الطائرات والطائرات المسيّرة بين الطرفين، ما قد يخفف التوتر الناتج عن هجمات المسيّرات الأوكرانية رغم قدرة الدفاعات الروسية على التصدي لها.
ويركز النقاش المتوقع على هذه الهدنة الجوية فقط، باعتبارها خطوة أولى أقل تعقيدًا من الهدن البرية أو البحرية التي تتطلب آليات مراقبة معقدة. ويبدو أن ترامب يسعى عبر هذه المبادرة لخفض التصعيد وكسب مكاسب سياسية قبيل الانتخابات النصفية، مبرزًا نفسه “رجل السلام”.
ولفت ملحم الى انه مع استمرار تبادل إطلاق الصواريخ، يبقى جدوى الالتزام بالهدنة الجوية محل تساؤل، خاصة أن روسيا تمتلك قدرات صاروخية متقدمة تمكّنها من قصف العمق الأوكراني، في حين تعتمد أوكرانيا بشكل رئيسي على الطائرات المسيّرة التي تسبب إزعاجًا لموسكو. لذا، تُعتبر الهدنة الجوية الخيار الأكثر واقعية حالياً ومقدمة محتملة لمسار تهدئة أوسع.
واكد أن موسكو تنظر للجهود الغربية بتوجّس دائم، مدركةً طابعها المراوغ، ما يدفعها للبقاء في حالة تأهب. ف”خلال العملية العسكرية، كشفت عن ثغرات في مؤسساتها، فسعت لإصلاحها عبر تغييرات عسكرية، واعتبرت المفاوضات استراحة تكتيكية لإعادة ترتيب الصفوف دون تقديم تنازلات. كما تسعى لاستغلال هذه الفترة لاستعادة جزء من أموالها المجمدة (نحو 300 مليار دولار) وتخفيف العقوبات، خاصة أنها ما زالت تعتمد على التكنولوجيا الغربية رغم توجهها شرقًا. إضافة إلى ذلك، تعمل موسكو على فصل مسار علاقاتها مع واشنطن عن ملف أوكرانيا، معتبرة الأخيرة ملفًا ثانويًا ضمن صراعها الأكبر مع الغرب”.
وقال ملحم: “في هذا السياق، تحاول موسكو إظهار انخراطها في مفاوضات مع كييف، بينما تركّز فعليًا على فتح قناة تفاوض مباشرة مع واشنطن. وقد لمح بوتين إلى إمكانية تزويد أميركا بالمعادن النادرة مقابل تخفيف العقوبات، ما يؤكد أن روسيا تفصل بين المسارات وتستغل كل ملف لتحقيق أهداف استراتيجية. المفاوضات، من منظورها، ليست سوى أداة لتحقيق مكاسب مدروسة، ويجري تغليفها بطابع دبلوماسي وإعلامي، خصوصًا بعد انتقالها من الشكل غير المباشر إلى المباشر مع أوكرانيا”.
استبقت روسيا زيارة ويتكوف بإعلان عدم التزامها بوقف نشر الصواريخ البرية متوسطة وقصيرة المدى، ردًا على انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ عام 2019 وتجاربها الصاروخية الجديدة، وفق ملحم، ويحمل الاعلان تهديدًا دبلوماسيًا ضمنيًا، خاصة مع شراكة موسكو مع كوريا الشمالية التي قد تزود بيونغ يانغ بصواريخ، ما يزيد التوتر في آسيا والمحيط الهادئ حيث تسعى واشنطن لتشكيل “ناتو مصغر” مع اليابان وكوريا الجنوبية. لذا، يتوقع أن يكون ملف الصواريخ محورًا رئيسيًا في زيارة ويتكوف، مع محاولة موسكو توسيع ضغطها على واشنطن بعيدًا عن الملف الأوكراني، مع بقاء احتمال استمرار الحوار رغم الانسحاب الأميركي من المعاهدة”.
روسيا ردّت بحزم على اتصال ترامب واعتبرت زيلينسكي “رجل الغرب”، ذكّر ملحم، ورغم استعدادها لهدنة موقتة 30 يومًا، ترى موسكو أن جوهر المشكلة هو سلوك الولايات المتحدة في أوروبا. تعتبر أوكرانيا ورقة ضغط متبادلة بين روسيا والغرب، وأي تفاوض روسي سيظل شكليًا لأنها لا تتنازل إلا من موقع قوة. فتحت روسيا مفاوضات مباشرة مع أوكرانيا لتبادل الأسرى والجثث، مستغلة الملف كورقة ضغط بعد صدمة الخسائر الأوكرانية. رغم احتمال تجاوب شكلي، الهدف الاستراتيجي الروسي هو زيادة الضغط على الغرب، ويبقى التركيز على نتائج زيارة ويتكوف ورد بوتين.
واكد ان روسيا تشترط الاعتراف الكامل بسيادتها على المقاطعات الأربع وشبه جزيرة القرم قبل أي تفاوض، وهو شرط غير قابل للتنازل. ترامب أبدى استعدادًا للاعتراف بالقرم لكنه وصف المقاطعات بأنها “مناطق محتلة”، ما ترفضه موسكو. وحتى الاعتراف الأميركي لا يلزم كييف قانونياً، لذا تصر روسيا على توثيقه دولياً، خاصة في الأمم المتحدة، وتعتبره خطًا أحمر. روسيا شددت خطابها تجاه الجيش الأوكراني ودعم الغرب له، وترفض أي تنازلات على حدودها الجديدة. رغم احتمال هدنة مؤقتة، لا تشعر روسيا بضغط للتنازل، ويبقى الاعتراف بسيادتها الشرط الأساسي لأي مفاوضات جدية.
ووصف ملحم خطاب ترامب بالشعبوي عندما يقول إن بوتين خذله، فبوتين يطرح شروطًا واضحة لإنهاء الحرب ولا يقدم وعودًا مطلقة. العلاقات الدولية مبنية على مصالح واستراتيجيات، وبوتين وترامب يمثلان دولهما لا وجهات نظر شخصية. هناك قناة تفاوض خلفية محتملة، يُرجح أن كيريل دميترييف هو الوسيط الرئيسي بسبب علاقاته بموسكو وواشنطن. ترامب يستغل الأزمة الأوكرانية في حملته الانتخابية مع اقتراب الانتخابات النصفية 2026، حيث فشل الحل قد يضر الحزب الجمهوري.
واكد ان موسكو تعتبر أن واشنطن لا تسعى لحل سياسي حقيقي، بل تماطل وتناور وتستغل نقاط ضعف خصومها، مع استمرار دعم معارضين داخل روسيا كجزء من الضغط الاستراتيجي. رغم إحباط ترامب الظاهر من بوتين، فإن خطاباته غالبًا ما تعكس شعبوية أكثر من دبلوماسية دقيقة مبنية على حسابات السياسة الواقعية.
وتهديدات ترامب بفرض عقوبات على روسيا تبدو ضعيفة التأثير بسبب تذبذب مهلة التنفيذ وحجم التبادل التجاري الضئيل بين البلدين (3.5 مليار دولار في 2024)، ما يجعل الرسوم الجمركية 100% “قرصة بعوضة” على الاقتصاد الروسي. والخطر الحقيقي يكمن في استهداف شركاء روسيا التجاريين، خاصة الصين والهند، حيث تسعى واشنطن لاستمالة نيودلهي بعيدًا عن بكين، وفرض رسوم على الهند قد يضر بهذه الدبلوماسية. حتى ترامب تراجع عن فرض رسوم على الصين خوفًا من تأثيرها على المستهلك الأميركي، مما يبرز حساسية العلاقة التجارية مع بكين.
واوضح ملحم ان روسيا معتادة على العقوبات وتستخدم “ناقلات الظل” لتفاديها، مع قدرة على استقدام ناقلات جديدة بسهولة. في المقابل، زيارة وفد أميركي رفيع للصين، منها رئيس “بوينغ”، تعكس حساسية العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وبكين. تقليص مهلة تهديدات ترامب من 50 إلى 10 أيام يستهدف الصين بشكل أكبر، حيث يعتمد تأثيرها على رد فعل بكين. إذا توقفت الصين عن شراء النفط الروسي، قد تقبل موسكو هدنة مبدئية لكنها تعرقل تنفيذها عبر التفاصيل الفنية، ما يفرغها من مضمونها.
وإيقاف الصين للنفط الروسي سيضرب المالية الروسية ويزيد الضغوط الداخلية، وقد يعتبر الكرملين تهديدات ترامب إعلان حرب اقتصادية ويرد بتصعيد محتمل، رغم حرص الطرفين على تجنب كارثة نووي. لكن من المحتمل أن ترفض الصين الضغط الأميركي، وتستمر في شراء النفط الروسي مع إجراءات مضادة مثل فرض رسوم على المنتجات الأميركية، ما يزيد التوتر الاقتصادي بين القوتين.
بوتين يرى الهدنة تكتيكاً مؤقتاً للتهدئة وتحقيق مكاسب، مثل قبول هدنة جوية تخفف الضغط دون تنازل على الأرض. كما يستخدم إغراق المفاوضات بالتفاصيل الفنية لإبطائها وكسب الوقت دون تقديم تنازلات حقيقية.
اما تحرك غواصتين نوويتين من طراز “أوهايو” فليس تصعيدًا عسكريًا بالضرورة، بنظر ملحم، بل إجراء روتيني ضمن نظام المناوبة بين الولايات المتحدة وروسيا في مواقع سرية بالمحيطات. هذه المناوبات تستمر عادة نحو شهرين، ومواقع الغواصات سرية للغاية.
تصريح ترامب حول نشر الغواصتين هو تحرك إعلامي أكثر منه خطوة عسكرية فعلية، فالقدرات والصواريخ التي تحملها الغواصات محدودة المدى، مما يجعلها رسالة سياسية أكثر منها تهديدًا حقيقيًا التصريح مرتبط بسياقات داخلية في أميركا، خاصة تأثيره على سوق الأسهم، ويبدو كجزء من لعبة ضغط سياسي أو استعراض قوة لا أكثر.
عسكرياً، تحرك الغواصتين لا يشكل خطراً فعلياً على روسيا التي طورت ترسانتها البحرية بصواريخ فرط صوتية “تسيركون” بسرعة تصل لـ11 ألف كم/س ويصعب اعتراضها، وقد اختُبرت ميدانياً منذ 2023.
روسيا ترد بهدوء وفعالية عبر غواصاتها المنتشرة في مواقع سرية حول العالم، دون الحاجة لتصريحات إعلامية.
لذا، يُعتبر تحرك ترامب خرقاً غير معتاد للسرية الأميركية أكثر منه تهديداً للأمن الروسي، بينما تلتزم موسكو قواعد اللعبة بصمت.
واستبعد ملحم حدوث صدام عسكري مباشر بين روسيا والولايات المتحدة بسبب خطر التصعيد النووي الكارثي الذي يسعى الطرفان لتجنبه. رغم ذلك، تستمر الضغوط والابتزاز السياسي والاقتصادي بينهما. العالم يشهد تغيرًا في النظام الدولي مع صعود قوى جديدة، مما يقلل نفوذ واشنطن تدريجيًا، في حين تقود روسيا والصين جهود إعادة التوازن العالمي.
هذه المواجهة ليست حربًا باردة تقليدية، بل صراع حديث قائم على الضغط الاقتصادي والسياسي وتفعيل جبهات بديلة، ولعب على حافة الهاوية في ظل تغير موازين القوى.
اما فرصة عقد اجتماع ثلاثي في إسطنبول بين قادة روسيا وأوكرانيا وأميركا فضعيفة جداً، اكد ملحم، إذ يرفض بوتين لقاء زيلينسكي ويعتبره غير شرعي ومنفذًا لإرادة الغرب، فيما ترامب لا يفضل زيلينسكي بسبب خلافات سابقة. أي اجتماع بهذا المستوى يتطلب تحضيرًا دقيقًا واتفاقًا مسبقًا على المبادئ، وإلا سيصبح استعراضًا سياسيًا بلا نتائج. موسكو تترك الباب دبلوماسيًا مفتوحًا لكن عمليًا تستبعد لقاء مباشرا مع زيلينسكي، ما يجعل فرص النجاح شبه معدومة حالياً.
ورأى ان موسكو تخشى تحوّل الوساطة التركية إلى منصة ضغط أميركي، خاصة مع أجندة أنقرة التوسعية التي تخدم واشنطن ضد روسيا وبكين. منذ 2024، ضُغطت تركيا لدخول ملفات حساسة مقابل مكاسب إقليمية، ما أفقدها حيادها. فدعم تركيا للجماعات المسلحة ومحاولات إسقاط النظام السوري بالتنسيق مع إسرائيل يشكل تهديدًا مباشرًا لروسيا، رغم محدودية قدرتها على الضغط الفعلي، لكنها تمتلك أدوات إزعاج استُغلت سابقًا.
موسكو تحاول احتواء تركيا بمرونة لتجنب تصعيد أو مواجهة مباشرة، مع الحفاظ على توازنات دقيقة. تركيا تظهر كوسيط محايد لكنها طرف غير موثوق، ودورها في الأزمة الأوكرانية مرتبط بمصالح خاصة وخيانات متكررة، كما في ناغورني قره باغ وسوريا وقضية أسرى كتيبة “آزوف”.
اذن، تركيا ليست طرفًا محايدًا بل خصم مباشر لروسيا، تدعم أوكرانيا بالمسيّرات وترفض الاعتراف بسيادة روسيا على القرم. أرسلت مقاتلين إلى أوكرانيا وتستخدم الوساطة لمصالحها الخاصة. بوتين نقل المفاوضات إلى تركيا لتجنب تصعيد مع الناتو لكنه لا يثق بها كوسيط.