بقلم الوزير السابق فادي عبود
اكرر دائما أن موضوع السير وقوانين المرور قد يكون من أهم المواضيع التي تعيق النمو في لبنان، وله آثار سلبية مباشرة على التنافس الاقتصادي، الصحة، البيئة، والسلامة المرورية. حيث تحول اي مشوار الى لعبة اعصاب مشدودة مع المخالفات المتعددة المنتشرة على الطرقات ، والخسائر البشرية اليومية التي بات جريمة التغاضي عنها ، وتسجيلها تحت خانة ” القضاء والقدر” ، فهذا ليس قدرا انه فشل مجتمعي شامل في بلد لا يطبق اي قانون سير منذ سنوات .
في بريطانيا والسويد مثلا ، الكاميرا ليست مجرد عدسة تسجّل المخالفات، بل هي ضمير الدولة الذي يراقب ويحمي المواطنين قبل أن يعاقب المخالفين. في بريطانيا، نظام رصد المركبات يعتمد على شبكة معلومات متكاملة تعمل في خلفية النظام المروري والقضائي، حيث تلتقط كاميرات ANPR لوحات السيارات أوتوماتيكيًا وتحوّلها إلى نص مع طابع زمني وموقع جغرافي دقيق، ثم تُقارن مباشرة بقاعدة بيانات هيئة ترخيص السائقين والمركبات وبيانات الشرطة للتحقق من سرقة المركبة أو صلاحية التأمين أو أي مخالفات سابقة. عند وقوع مخالفة، يتم إرسال إشعار تلقائي إلى مالك المركبة مصحوبًا بصورة وتفاصيل الواقعة دون الحاجة لتوقيف السيارة، بينما تُستخدم البيانات لتحليل الحركة المرورية وتحديد النقاط الخطرة وتحسين تخطيط الطرق، مع ضوابط صارمة لحماية الخصوصية والحوكمة.
أما في السويد، اضافة الى الكاميرا على الطرقات وهذه فكرة جديرة بالدراسة بالنسبة الى لبنان ، فالكاميرات داخل سيارات الأجرة أداة حماية أساسية للركاب والسائقين. منذ عام 2017 أصبح تركيب الكاميرات إلزاميًا في المدن الكبرى، مع قوانين صارمة لضمان عدم استخدام التسجيلات لأي أغراض غير قانونية. الكاميرات تسجّل حركة السيارة الداخلية وتتعاون مع كاميرات الطرق لتوثيق الحوادث عند نقاط الخطر، وتسمح للشرطة والسلطات المحلية بالوصول السريع للتسجيلات للتحقق من الحوادث وحماية حقوق الجميع. كما تُستخدم البيانات لتحديد النقاط الأكثر خطورة وأوقات الذروة وسلوك المخالفين، وتُسخّر لتحسين تخطيط الطرق ومنع الحوادث المتكررة، بينما بعض الكاميرات الذكية تصدر تنبيهات للسائق قبل وقوع المخالفة. هذه السياسات أدت إلى انخفاض واضح في الحوادث وحماية الركاب والسائقين وتحسين انسيابية الطرق بشكل عام، ما يبرز الفرق الشاسع بين دولة تعتمد التكنولوجيا والبيانات وبين لبنان، حيث غياب الكاميرات ونقص المراقبة يحوّل الطرق إلى ساحات خطرة يوميًا.
الواقع المروري في لبنان صار خطراً يوميًا على حياة المواطنين. الإحصاءات الرسمية لعام 2025 تظهر معدل حوادث مرتفعًا بشكل مقلق، إذ تم تسجيل 316 حادثًا خلال شهر واحد فقط حتى نهاية أيلول، نتج عنها 38 قتيلًا و438 جريحًا، بينما بلغ إجمالي الحوادث منذ بداية العام 355 قتيلًا و4628 جريحًا. هذه الأرقام تؤكد أن الوضع ليس مجرد أزمة مؤقتة، بل مشكلة مزمنة تهدد السلامة العامة بشكل مباشر، واستمرار هذا الواقع يفاقم الخسائر البشرية والمادية ويعيق النمو الاقتصادي ويزيد الضغط على القطاع الصحي.
طريق انطلياس – بكفيا يمثل مثال صارخ للفوضى . هذا الطريق مزدحم، والسيارات تتنقل بسرعة كبيرة، مع التفافات مفاجئة ومخاطر مستمرة بسبب غياب القاطع المركزي الذي يفصل بين الاتجاهين. النتيجة هي حوادث شبه يومية، مع وفيات وإصابات متكررة، ما يجعل الطريق خطرًا دائمًا على السائقين والمشاة على حد سواء. والمثير للدهشة هو أنه رغم وضوح الخطر، لم يقم نواب وبلديات المنطقة باتخاذ إجراءات فعّالة حتى الآن. هل يعقل أن يكون إيجاد حلول بسيطة مثل تركيب قاطع مركزي مع عدة مستديرات لتسهيل الانتقال من جهة الى اخرى، وضع إشارات ولوحات تحذيرية، وإنارة كافية، معقدًا لهذه الدرجة؟
باختصار الحلول ممكنة وسريعة التنفيذ والامثلة العالمية كثيرة ، بدءًا بنشر كاميرات ثابتة ومتنقلة في سيارات الاجرة او سيارات خاصة تابعة لشرطة السير لرصد المخالفات، إنشاء قاعدة بيانات وطنية لتجميع الحوادث وتحليلها، إطلاق حملة إعلامية ذكية ومكثفة لرفع الوعي بالقواعد الأساسية،. علما ان هناك محاولات اليوم لتطويع 800 شرطي سير وهذه وظيفة لم تعد موجودة في البلدان المتحضرة ، اما بالنسبة لتمويل هذه الافكار والكاميرات وخلق نظام داتا فممكن اذا خصصنا صندوق من مداخيل مخالفات السير لاجل ذلك بدل ان توزع على القضاة والشرطة وغيرهم، وبالتالي من الممكن للمشروع ان يمول نفسه .
السلامة على الطرق ليست رفاهية، بل حق أساسي لكل مواطن إذا أردنا إنقاذ حياة الناس وإعادة كرامة الطرق، فلنبدأ ب: كاميرات متنقلة وثابتة ، فرق مدربة وجاهزة وحملة توعية فورًا بدءا من المدارس وصولا الى شاشات التلفزة وكافة وسائل التواصل الاجتماعي ، ، قبل أن ننتظر الكارثة التالية.
عدم تنفيذ هذه الخطة او خطة مماثلة يعتبر اهمال جرمي ويجب معاقبة كل مسؤول لا يتحرك بهذا الاتجاه ومعاقبة كل نائب او كتلة نيابية لا تتقدم بمشروع قانون لحماية الناس على الطرقات .