من يطلق رصاصة الرحمة على التصدير اللبناني؟

الأربعاء ٦ أيار ٢٠٢٦

من يطلق رصاصة الرحمة على التصدير اللبناني؟

*فادي عبود

تفاصيل يومية، من الرسوم المقنّعة وفوضى الشحن، تكشف كيف يُخنق آخر مصدر فعلي للعملة الصعبة في لبنان.

لم يعد السؤال كيف نزيد الصادرات، بل لماذا ما زالت موجودة أساساً رغم كل ما يُفرض عليها من تكلفة ومعوقات؟

في لبنان، لا يتغيّر موقع الصناعة كثيراً، سواء كنّا في قلب الأزمات والحروب أو في فترات الهدوء النسبي. فهي دائماً في أسفل سلّم الأولويات. هذا ليس انطباعاً، بل واقع يومي يعيشه كل صناعي: غياب رؤية، غياب متابعة، وغياب أي إحساسٍ فعلي بأن هذا القطاع هو خط الدفاع الأخير عن الاقتصاد الوطني.

المفارقة أن الدولة اللبنانية تتعامل مع الصناعة كأنها قطاع ثانوي، فيما كل الدول التي واجهت أزمات مشابهة جعلت من الإنتاج والتصدير أولويةً قصوى. في لبنان، يحدث العكس تماماً: كل تفصيل يومي، من معاملة إدارية إلى فاتورة كهرباء، يتحول إلى معوق إضافي. لا أحد يسأل: كيف نُسهّل؟ بل دائماً: كيف نُعقّد أكثر؟

من هنا، لم يعد الحديث عن إنشاء “اللجنة العليا لتنمية الصادرات” ترفاً أو فكرة نظرية، بل ضرورة إنقاذية. لجنة يجب أن تضم وزراء الصناعة، النقل، المال، الطاقة والاقتصاد، لكن الأهم أن تغيّر نمط العمل السائد: النزول إلى التفاصيل، تلك التي يعتبرها كثيرون “ثانوية”، لكنها في الحقيقة التي تحدد مصير التصدير.

 

هذه اللجنة يجب ألا تجتمع لإصدار بيانات، بل لتفكيك التكلفة بنداً بنداً: لماذا يدفع الصناعي هذا الرقم؟ لماذا تتأخر هذه المعاملة؟ لماذا يُفرض هذا الرسم؟ ولمصلحة من؟

أولى الملفات التي يجب أن تُفتح بلا تأجيل هي تكلفة الاستيراد والتصدير. ما يحصل اليوم لا يمكن وصفه إلا بالفوضى المقنّعة. تكلفة الاستيراد، وأجور الترانزيتير، مع زيادات تُفرض من دون أي شفافية.

المطلوب واضح: إعادة التوازن إلى المعادلة، ربح معقول في الاستيراد، وربح لا يتجاوز 5% في التصدير. وأي شيء خارج هذا الإطار يجب أن يُعتبر احتكاراً يستوجب التدخل. من غير المقبول أن تصبح تكلفة إنجاز المعاملة عبر الترانزيتير أعلى من الرسوم الرسمية نفسها، وأن تستمر “لجنة موقتة” منذ 37 عاماً باستيفاء رسوم على التصدير، علماً أنه يشكل حوالى 10% من الحركة العامة، أي أن كل عشر حاويات تستورد الى لبنان، ـصدر منها حاوية واحدة ببضائع لبنانية. علماً أن من المفروض في بلد يريد تشجيع الصادرات أن تكون عملية التصدير صفر رسوم .

 

وأزمة تُضاف الى التصدير فرضتها الحرب الأخيرة، عشرات الحاويات اللبنانية لم تصل إلى وجهتها، وتم تحويلها إلى مرافئ أخرى خارج المسار. الصناعي الذي التزم مواعيد التسليم، ودفع تكلفة الإنتاج والشحن، وجد نفسه أمام بضائع محتجزة وتكلفة توصيلها مجدداً مرتفعة. مثال على ذلك مستوعب شحن الى الكويت قبل الحرب وبسبب استحالة ايصاله جرى تفريغه في مرفأ صلالة وتكلفة إرجاعه الى لبنان وشحنه منه الى الكويت مجدداً مع

الـCMA CGM يصل الى 12 الف دولار.

ومن الطبيعي تفهّم ما فرضته الحرب من ظروف قاهرة على حركة الملاحة البحرية. لكن في المقابل، يبقى الأمل معقوداً على تعاون شركات الشحن الكبرى، وفي مقدّمها شركة CMA CGM، الشركة اللبنانية التي نكنّ لها كل التقدير، للمساعدة في إيجاد حلولٍ استثنائية تخفّف العبء عن الصناعيين، سواء عبر تسهيل إعادة الحاويات إلى لبنان أو إيصالها إلى وجهتها النهائية بتكلفة عادلة.

 

وفي السياق نفسه، يجب إعادة النظر جذرياً في البنية التشغيلية للمرافئ. كيف يمكن لبلدٍ يريد تنمية صادراته أن يعمل مرفأه الأساسي ساعات محدودة، مع ما يقارب 30 يوم عطلة سنوياً؟ كيف يُقفل المرفأ فيما الأسواق لا تنتظر؟ كل ساعة تأخير تتحول إلى تكلفة، وكل يوم تعطيل يُترجم خسارة في الأسواق الخارجية.

والمفارقة الأكبر هي ما يُعرف بـ”المساعي”: 300 دولار على الحاوية في مقابل فتح المرفأ خارج الدوام. أرقام خيالية تحت تسميةٍ مثيرة للسخرية “مساعي”، فهل هي مساعي لتنمية الاقتصاد أم لسرقة المستورد والمصدر ؟المطلوب واضح: تحويل هذه التكلفة إلى رسم رمزي ثابت ضمن البيان الجمركي (مثلاً 3 ملايين ليرة على الاستيراد)، وإلغاء أي تكلفة إضافية على التصدير، لأن التصدير يجب أن يُحفَّز، لا أن يُعاقَب.
الحل ليس معقداً: تشغيل المرافئ 16 ساعة يومياً على الأقل، و7 أيام في الأسبوع، والسماح للشاحنات بالعمل على مدار الساعة (مع تنظيم ساعات الذروة). هذه ليست رفاهية، بل الحد الأدنى لأي اقتصاد يريد أن يصدر. أما الاستمرار في العمل بعقلية الدوام الإداري، فهو حكم مسبق بالفشل.

كذلك، يجب إعادة إحياء دور مرفأ طرابلس كمركز منافس، لا كمرفق ثانوي. المنافسة داخل البلد تخفّض التكلفة تلقائياً، تكسر الاحتكار، وتمنح الصناعي خيارات إضافية. المطلوب تحفيز شركات الشحن للانتقال إلى مرفأ طرابلس عبر تسهيلات وإعفاءات فعلية، لا عبر لجان موقتة جديدة.

أما في ما يتعلق بالتكلفة المباشرة، فالمعادلة يجب أن تكون واضحة: معاملات التصدير لا تتجاوز 50 دولاراً، والنقل البري بحدود 100 دولار كمعدل. هذه أرقام قابلة للتحقيق إذا رُفعت القيود غير المبررة وفُتح المجال أمام المنافسة الحقيقية.

وزارة المال تتحمل مسؤولية أساسية. لا يمكن الحديث عن تشجيع التصدير فيما تُفرض عليه ضرائب ورسوم. المطلوب إعفاء كامل للصادرات من كل الضرائب، مع حوافز إضافية مرتبطة بحجم التصدير. أما الصادرات التي يجب أن تمر عبر معهد البحوث الصناعية فيجب أن تكون من دون مقابل على أساس زيادة بسيطة على فحوصات الاستيراد.

وفي موازاة ذلك، يجب إزالة العبء الإداري بالكامل: لا براءة ذمة ضمان، لا معاملات متكررة، لا أوراق بلا جدوى. التصدير يجب أن يصبح عمليةً انسيابية، لا رحلة بيروقراطية طويلة.

أما ملف الطاقة، فيبقى من أكبر التحديات. لكن حتى هنا، يمكن طرح حلول عملية، فكل دول العالم تمنح أسعاراً تشجيعية للصناعات المحلية خصوصاً في ساعات الليل . كما يجب السعي مع العراق لتأمين المازوت للمولدات الخاصة بالصناعة بأسعار تشجيعية.

ولا يمكن إغفال أهمية الترانزيت البري. الحوار مع المملكة العربية السعودية خطوة أساسية ومشكورة، لكن المطلوب تثبيت هذا المسار نهائياً وتوسيعه، عبر تفعيل اتفاقات الترانزيت العربي والتجارة الحرة العربية وإلغاء الرسوم المرتبطة به. كما أن وجود أجهزة السكانر يتيح إمكان إشراك دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، في الرقابة قبل مغادرة الشحنات من لبنان، ما يعزز الثقة ويُسرّع الحركة.

في المقابل، يجب إعادة تعريف دور المؤسسات الداعمة. غرف التجارة والصناعة والزراعة لا يمكن أن تبقى في دورها التقليدي. المطلوب تخصيص إيرادات المصادقة على فواتير التصدير كاملةً لدعم مشاركة الشركات اللبنانية في المعارض الدولية، لأن فتح الأسواق لا يتم بالبيانات، بل بالحضور.

في النهاية، المشكلة ليست في غياب الحلول. الحلول موجودة، بسيطة وواضحة. المشكلة في غياب الإرادة، وفي عقلية إدارة التفاصيل. لبنان لا يحتاج إلى شعارات عن “النهوض الاقتصادي”، بل إلى قرارات يومية دقيقة: خفض رسم، تسريع معاملة، فتح مرفأ، كسر احتكار.

 

الصناعي اللبناني اليوم لا يطلب دعماً نظرياً، بل يطلب أن يُترك يعمل. أن تُزال المعوقات من طريقه. ألا تُطلق عليه “رصاصة الرحمة” عبر قرارات عشوائية أو إهمال مستمر.
لذلك، يجب أن تتغير النظرة جذرياً: إعتبار المصدّر ركيزةً أساسية في صمود الاقتصاد اللبناني. فهو عملياً من القلائل الذين ما زالوا يؤمّنون تدفّق العملة الصعبة، ويحافظون على استمرارية الإنتاج في ظروف شديدة التعقيد.

إما أن نختار دعم هذه الركيزة… وإما أن نواصل تجاهلها، حتى تختفي الصناعة. وعندها، لن ينفع أي ندم.

*رئيس سابق لجمعية الصناعيين

شارك الخبر

مباشر مباشر

11:44 pm

الجيش الإسرائيلي نفذ تفجيراً في كفرتبنيت

11:44 pm

إسرائيل تعتقل مرشحا للكونغرس الأميركي أثناء قطف الزيتون في الضفة الغربية

11:43 pm

مصدران رسميان ليبيان لرويترز: تحرير رهينتين من النمسا وسويسرا بعد أكثر من 18 شهرا في النيجر ووصولهما إلى مدينة بنغازي الليبية

11:23 pm

العُثور على جثة شخص مقتول في خراج جدرا

11:03 pm

ترامب: أصبحنا أقرب من أي وقت مضى من إنهاء الحرب في أوكرانيا

10:47 pm

الرياضي بيروت بطل دورة شباب الأهلي الدوليّة لكرة السلّة بعد فوزه على النادي الأنطونية في المباراة النهائية

10:31 pm

مصدر دبلوماسي لفرانس برس: السفارة الأميركية في الرياض تطلب من جميع الموظفين الأميركيين وعائلاتهم مغادرة السعودية

10:23 pm

زيلينسكي: كييف تؤيّد عقد اجتماع أميركي أوكراني روسي “في أقرب وقت”

10:12 pm

قصف مدفعي يستهدف اطراف زوطر الشرقية – ميفدون ووادي السلوقي

09:50 pm

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على مكتب محاماة باليونان وبنما لمساعدته قطاع الشحن الإيراني

09:35 pm

وكالة فارس الإيرانية: دوي انفجارات في مدينة سيريك ولا تزال طبيعتها ومصدرها مجهولين

09:30 pm

قوى الامن تحذر: معك مخفر حبيش…هيك ببلش الإحتيال انتبهوا

08:59 pm

غارة استهدفت حداثا

08:38 pm

اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية يعلن تضامنه مع بلدية حارة حريك ويستنكر حملات الافتراء والتضليل

08:34 pm

عراقجي: مستعدون لإعطاء الدبلوماسية فرصة أخرى إذا رأينا دليلا على رغبة أميركية صادقة في التوصل إلى حل عادل

08:28 pm

غارة إسرائيلية على منطقة وادي السلوقي في جنوب لبنان

08:21 pm

غارة تستهدف بلدة القنطرة

08:13 pm

محافظ النبطيّة محمد هزيمة يعلن عزوفه عن تولّي منصبه

08:07 pm

غارة تستهدف وادي الحجير

07:49 pm

وزارة الخزانة الأميركية: الولايات المتحدة تفرض عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

07:32 pm

غادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرياض مع الوفد المرافق له

07:25 pm

تمشيط معاد باتجاه بيت ياحون

07:14 pm

نصار خلال افتتاح ندوة “مؤسسة لقمان سليم” في وزارة العدل: القضاء يتحمل أثقالاً كبرى ولا نسيان ولا مساومة على المحاسبة

07:05 pm

الجيش يوقف رئيس عصابة سرقة و6 مواطنين بجرائم إطلاق النار وحيازة أسلحة والتورط في إشكالات

06:49 pm

التلفزيون الإيراني: رئيس البرلمان التقى المرشد الأعلى وبحث معه مستجدات الحرب العسكرية والاقتصادية على البلاد

06:46 pm

“رويترز” عن مسؤول أميركي: الروس قبلوا مقترحاً أميركياً لعقد اجتماع ثلاثي يضم أوكرانيا

06:36 pm

السيسي: الجهد العسكري المصري لا يمتد إلى خارج حدود مصر أو أي دولة شقيقة تكون مصر حريصة على أمنها واستقرارها

06:21 pm

آيزنكوت يرفض تولّي منصب وزاري في حكومة يقودها نتنياهو

05:56 pm

نتنياهو: لا سبيل لإزالة التهديد النووي الإيراني إلا بإسقاط النظام

05:55 pm

كاتس: سنستهدف البنية التحتية لحزب الله في الضاحية إذا انضم لإيران في أي هجوم ضدنا

05:49 pm

تاس عن مساعد الرئيس الروسي: الصراع في أوكرانيا يقترب من نهايته

05:38 pm

أهالي علما الشعب توجهوا الى بلدتهم المحتلة…لقطاف الزيتون!

05:33 pm

الحجار عرض في الدوحة التحديات التي يواجهها لبنان والتشديد على أهمية دعم المؤسسات الأمنية وتعزيز قدراتها

05:25 pm

هبة طوجي تحيي حفلًا غنائيًا في مهرجان الفسطاط

05:23 pm

الاتحاد الأوروبي يطالب شركة “سبيس إكس” باستعادة خدمات ستارلينك بالكامل وبشكل عاجل في أوكرانيا

05:18 pm

دميترييف: اجتماع بوتين وويتكوف “مثمر للغاية”

05:15 pm

تدابير سير في محلة جسر فؤاد شهاب لتمديد كابلات ألياف ضوئيّة عائدة لوزارة الاتّصالات…بدءا من هذا اليوم!

05:14 pm

“وول ستريت” تفتح على ارتفاع

05:09 pm

مجموعة CMA CGM تعزّز صادرات التفاح اللبناني إلى مصر وليبيا والسعودية بأسعار شحن تفضيلية

05:03 pm

رابطة متفرغي اللبنانية: لإقرار الملف بشفافية وبما يصون التوازن الوطني وميثاق العيش المشترك