قال البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي في عظة “تكريس لبنان والشرق الأوسط والانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر” في حريصا: “في مناسبة تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر، نجدّد عهد الثقة والرجاء، ونسلّم أوطاننا وشعوبنا إلى قلب يسوع المفعم بالمحبة والرحمة، وإلى قلب مريم أمنا الحنون، سائلين الله أن يحفظ أوطاننا بنعمته ويغمرها بسلامه ووحدته. لكن يعتصر قلبنا دمًا على الدماء البريئة التي تسقط يوميًّا وتغسل أرض الوطن. ونذكر من بينهم ضحايا الجيش اللبناني، العميد وسام صبره والنقيب إيلي الخوري والجندي حسين عبد العلي غزال، والدكتور جيمس كرم وابنته تيودوسيا وابنه طوني من بلدة القليعة الجريحة. إنّا نعزّي قيادة الجيش، ونصلّي لراحة نفوسهم وعزاء عائلاتهم”.
واضاف الراعي: “فعندما نسلّم الوطن لقلب يسوع الأقدس، فإننا نعلن أننا نريد دولة تنبض بالحق والعدالة والرحمة والكرامة الإنسانية. وعندما نسلّم الوطن لقلب مريم الطاهر، فإننا نعلن أننا نريد دولة تحمي أبناءها، وتداوي جراحهم، وتحتضن ضعفهم، وتفتح أمامهم أبواب الرجاء. وعندما نسلّم الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لهذين القلبين، فإننا نصلّي من أجل شعوب تتوق إلى الاستقرار، ومن أجل أجيال تبحث عن مستقبل آمن، ومن أجل إنسان يتطلع إلى حياة يسودها السلام والكرامة والاحترام المتبادل”.
واكد “إنّ لبنان صاحب حضور في حقل الرسالة. فهو أكثر من أرض وحدود، وأكثر من دولة ومؤسسات، إنه رسالة حرية وكرامة وتعددية وعيش مشترك. هذه الرسالة لا تُصان إلا عندما يبقى أصحاب المسؤولية أوفياء لها، وأمناء على جوهرها، ومدركين حجم الأمانة الملقاة على عاتقهم. ولا يمكن أن يقوم لبنان بهذه الرسالة الفريدة، ما لم تعلنه الأمم المتّحدة دولة حياديّة بمفهومها الإيجابي الناشط”.
وقال الراعي: “تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر هو إعلان رجاء بأن هذه الأرض، مهما اشتدت عليها المحن، ليست متروكة لمصيرها، بل لها رب نرجع إليه، ولها أم نلجأ إليها، ولها قلبان لا يتوقفان عن النبض بالمحبة والرحمة والشفاعة.
ومن هنا نفهم أن التكريس هو مسيرة متواصلة من الإيمان والثقة والتجدد. إنه دعوة لأن تتجدد شعوبنا في الرجاء، وأن تستعيد أوطاننا رسالتها، وأن يبقى الإنسان في هذه المنطقة مؤمنًا بأن الله حاضر في تاريخه، ومرافق لمسيرته، وعامل في قلب معاناته. فحين نسلّم ذواتنا وأوطاننا لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، نعلن أن الرجاء أقوى من اليأس، وأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن نعمة الله تبقى أقوى من كل ما يواجهه الإنسان من صعوبات وتحديات”.
وتابع: “فيما تتواصل المفاوضات والمباحثات والاتصالات على أكثر من مستوى، تبقى الأنظار متجهة نحو أن تنجح هذه الجهود في فتح أبواب الحلول وإبعاد شبح الحرب والتصعيد والمواجهات والهدم والنزوح ووقوع الأبرياء. لقد سئمت الشعوب الحرب ولغة القوة والهيمنة. فالحرب لا تصنع سلامًا، ولا تبني أوطانًا، ولا تؤسس مستقبلًا. أما الرؤية الحكيمة، والقرار المسؤول، والإرادة الصلبة في البحث عن حلول عادلة ومستدامة، فهي التي تفتح الطريق أمام الاستقرار والأمن والازدهار.
في مناسبة هذا التكريس المبارك، نرفع صلاتنا لكي يستنير جميع المسؤولين والمفاوضين وأصحاب القرار، في الداخل والخارج، بنور الحقيقة والضمير والمسؤولية الوطنية، فيعملوا لما فيه خير الشعوب واستقرار الأوطان وصون كرامة الإنسان. إنّ هذا التكريس هو موقف إيمان في وجه اليأس، ورجاء في وجه الخوف، وإعلان بأن لهذه الأرض رسالة، ولهذا الوطن دورًا لا يُهمّش.
إننا نرجو أن تثمر المفاوضات الجارية نتائج ملموسة تقود إلى الاستقرار، وأن تتغلب لغة الحكمة على لغة التصعيد، لأن الشعوب لم تعد تحتمل المزيد من المعاناة. ويبقى تكريس لبنان والشرق الأوسط لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر تأكيدًا على أن هذا الوطن وهذه المنطقة ما زال لهما مكان في قلب الله، وما زالت لهما رسالة ينبغي أن تُحفظ وتُصان وتُستكمل”.