فراس خليفة – الأخبار
منذ بداية العدوان الإسرائيلي في 2 آذار الماضي، تعرَّضت زوطر الشرقيّة (قضاء النبطية) وحدَها لأكثر من 90 غارة جوية على مساحة جغرافية لا تتجاوز 5 كيلومترات مربّعة. وخلال الأيام الماضية، تكرَّر إسم زوطر الشرقيَّة في بيانات المقاومة التي استهدفت بمحلّقاتها الإنقضاضيَّة آليات وجنود الاحتلال. مجموعة «الأحداث الأمنية الصعبة» المتلاحقة في زوطر ويُحمر ومحيط قلعة الشقيف، ليست منفصلة البتَّة عن سياق تاريخي شكَّلت فيه البلدة وخط القرى المحيطة بها هاجساً أمنياً للعدو، نظراً إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي، كما كانت دائماً نقطة ارتكاز أساسية للمقاومة. في ما يأتي، شهادات لأهالٍ من زوطر اختبروا، للمرة الأولى، شعور مشاهدة صورة بلدتهم «مِن فَوْق»، وتغيّر معالمها، عبر تحديثات صُوَر الأقمار الاصطناعية أو من خلال فيديوهات «الإعلام الحربي»
لم يتخيّل أهالي زوطر الشرقية الذين استضافوا خلال السنوات الثلاث الماضية نازحين من أبناء القرى الحدودية أن تصبح بلدتهم على صورة تلك القرى لناحية مشهدية الدمار الواسع. أخيراً، بادر ناشطون من أبناء البلدة إلى دعوة مَن يستطيع سبيلاً من الأهالي للمساهمة في تأمين الكلفة المالية المطلوبة للحصول على صور الأقمار الاصطناعية للقرية، وأنشأوا مجموعة خاصة لنشرها بشكل شبه يومي.
هكذا تحوّلت علاقة هؤلاء مع بيوتهم إلى علاقة بصرية، إذ باتت القرية «تُرى أكثر مما تُعاش»، على ما يقول مصطفى عمّار، أحد أبناء زوطر. في كثير من الأحيان تظهر دبابات وآليات إسرائيلية قريبة من البيوت أو على التلال المحيطة. «هنا يصبح المشهد ثقيلاً وملتبساً: الناس يريدون بقاء بيوتهم، لكنهم لا يريدون أن يروها مُحاطة بالخوف أو واقعة تحت مراقبة دائمة»، لافتاً إلى «أنّ البيت الذي يُفترض أن يكون مساحة أمان، يصبح جزءاً من مشهد الحرب نفسه».
برأيه، يطرح هذا التناقض الشعوري أسئلة من قبيل: ماذا يعني أن يبقى البيت قائماً إذا كانت الحياة داخله مستحيلة؟ وهل يتحوّل التعلّق بالمكان أحياناً إلى خوف من صورته الجديدة؟. وعليه، فإن الحرب لا تكتفي هنا بإعادة رسم الجغرافيا، بل تغيّر أيضاً نظرة الناس إلى بيوتهم. صارت قرى الجنوب تُراقَب من الأعلى وتُستعاد بالصورة، فيما يعيش أهلها بين رغبتين متناقضتين: أن يبقى كل شيء كما هو، وأن ينتهي في الوقت نفسه هذا المشهد الذي «يجعل البيت قريباً جداً وبعيداً جداً معاً»، يقول عمّار.
«أبابيل» فوق «حارة الخزّان»
لم يتصوّر علي جابر يوماً أن يأتي يوم يرى فيه دبابات وآليات إسرائيلية متمركزة تحت شرفة بيته في «حارة الخزّان» في زوطر الشرقية. يقف الشاب الثلاثيني أمام مشهد قلب معادلة حياته، إذ تحوّل منزله إلى «درع حماية لمحتلّ وحشي وجبان من استهدافات المقاومة». في المرّة الأولى التي شاهد فيها بيته عبر صور الأقمار الاصطناعية، تمنّى جابر لو أنّه رآه مُدمّراً بغارة، لا أن يراه على هذه الحال.
لكن الفيديو الذي بثّه الإعلام الحربي للمقاومة من داخل زوطر قبل أيام أعاد إليه شيئاً من الروح. كان علي ينتظر مثل هذه المشاهد ليُعِيد اكتشاف الأمكنة التي ألِفَها وحفظ تفاصيلها ويدقّق فيها مرَّة بعد أخرى. في «الرحلة» الأولى لـ«أبابيل»، كان يظهر حجم الدمار والتخريب الذي خلَّفه الاحتلال.
أُتيح له أن يرى قريته من الأعلى كما لم يرَها من قبل. البداية من قرب «مقهى أبو حيدر» عند مدخل زوطر من جهة ميفدون، مروراً بالطريق العام باتجاه منطقة «البركة» في وسط البلدة، وصولاً إلى تخوم زوطر الغربية، ثم الانعطاف يساراً نحو «حارة الخزّان» في الجهة الشرقية من البلدة، حيث يتموضع جيش العدو بشكل رئيسي.
كان قلب علي يخفق كلما اقتربت المحلّقة من تلك النقطة بالذات قرب شجرَتَي السنديان المعمِّرتَيْن، حيث ارتطمت بالآلية الجاثمة أمام بيته. لاحقاً تتالت فيديوهات «أبابيل» من زوطر الشرقية وكان من بينها فيديو المحلقات الأربع التي دارت أحداثه في الحارة ذاتها قرب بيته ومنازل أهله وأقربائه. منذ نحو سبع سنوات، وضع الشاب الجنوبي الحجرَ الأساسَ لمنزلٍ كان يحلم أن يفاخر به أمام عائلته ورفاقه.
يقول: «كنت أبحث عن أخطاء الجميع في هندسة وتصميم البيوت، وأعمل على إيجاد حلول لتخطّيها». في «مشروع حياتي الأهم»، رسم خريطة البيت بنفسه بأدقّ تفاصيلها بعد استشارات مع ذوي الاختصاص، بل صمّم حجراً خاصاً به بمساعدة صديق يملك معملاً لتصنيع الأحجار، وكان شريكاً في كل مراحل البناء، من صبّ الأساسات إلى نقل الحجارة، موثّقاً ذلك خطوة خطوة، «كطفل صغير يبني لعبته بيديه».
الحرب الأولى (2024)، الظروف الاقتصادية الصعبة، لم تُثنه عن مواصلة الحلم. وإلى ما قبل «الجولة الأخيرة» من الحرب، كان علي يقصد بيته بشكل شبه يومي، ينظّفه ويكنسه ويعيد ترتيب تفاصيله «كأنني أعيش فيه، رغم أنه ما زال «على العضم». كنت أجول في أرجائه متخيّلاً أين سأضع الصوبيا، وكيف سأقسّم المساحات بين مكتب وغرفة، وأين سأضع عفشي وطفشي».
اختار علي جابر أن يكون منزله بين شجرتَي سنديان معمّرتين زرعهما جدّه قبل أكثر من ستين عاماً، ليكسب البيت طابعاً قروياً «مرتبطاً بالأرض كالسنديان الذي لا يُنقل من مكانه، وإن نُقل يموت». في الأيام الأخيرة، كان في داخله شعوران متناقضان: حزن وغضب أمام مشهد دبابات الاحتلال في قريته وأمام بيته، وفي المقابل إحساس عميق بالانتماء إلى الأرض. يقول: «أنتمي إلى الجنوب، إلى خرير مياه النهر وحفيف أوراق الدلب على ضفّتيه، إلى صوت الطباسين صباحاً في أوديته، وإلى نقّار الخشب الذي عاد إلى حرج النهر».
«لا شيءَ يعود كما كان»
منزل محمد سليمان، الواقع عند كتف النهر مقابل «وادي راج»، ليس استثناءً من بين بيوت زوطر. «كان بيتاً دافئاً ومتواضعاً مثلنا وتعبنا فيه». تباعاً كان محمد يراقب الصور الجوية لزوطر. في المرّة الأولى «كان بعدو البيت مبيّن بالصورة، فرِحنا. في المرة الثانية أيضاً. وفي الثالثة كان لا يزال في مكانه». وكان يقول ممازحاً إن الإسرائيلي «لن يدمّر بيتي لأن آرائي السياسية لا تتوافق مع فكرة حروب الإسناد». لاحقاً، عندما بدأ العدو يقترب من مجرى النهر مقابل زوطر، صار تدمير البيت احتمالاً جدّياً لأنه «كاشِف».
في المرة الرابعة، كان وقع الصورة مختلفاً وقاسياً عليه وعلى زوجته، حين شاهدا البيت «مطحوناً» بفعل الغارة. مع البيت ذهبت كل التفاصيل، «من أتفه شغلة لأكبر شغلة»: فناجين زوجته ومكتبتها، الجدار الذي كان يقيس عليه طول ابنته إميلي مذْ كانت صغيرة، أغراضها وألعابها، و«فيلو»، الفيل البنفسجي الكبير، «الحراتيق» الصغيرة التي كان يحتفظ بها، بزّة «الصليب الأحمر»، وصندوق يضمّ مقتنيات من بدايات تعارفه بزوجته وأشياء أخرى.
بقدر ما كانت خسارة البيت موجعة، فإن خسارة ضيعة بكاملها كانت أشدّ وقعاً. في إحدى الصور التي «سُحبت» للقرية لاحقاً، ظهر مشهد بالغ القسوة: ثلاث دبابات وناقلة جند إسرائيلية قرب منزله ومنزل أهله «اللي طار نصّه من عصف بيتي». يختم بأن «لا شيء يعود كما كان. لا البيت ولا تفاصيله، ولا حتى زوطر التي ستتغيّر كلياً».
مشهد غير مسبوق… لكن سنحرِّرها
لا ينظر كامل زين الدين إلى الصور الواردة لبلدته من خارج دائرة اهتماماته في مجالَي البيئة والتاريخ، فضلاً عن كونه ابن المكان الذي وُلد وعاش فيه لسنوات طويلة. فزوطر التي تعرّضت في مراحل مختلفة للاعتداءات الإسرائيلية والقصف المدفعي شبه الدائم أيام ما كان يُعرف بـ«الشريط الحدودي»، تشهد اليوم، كما معظم القرى الجنوبية، الفصل التدميري الأقسى في تاريخها، والذي أدّى، وفق تحليل أولي لصور الأقمار الاصطناعية، إلى تدمير قرابة 230 مبنى سكنياً.
برأي زين الدين (74 عاماً)، فإن «مشهد الاحتلال بآلته العسكرية الجاثمة فوق أرضنا يفجّر فينا الألم والغضب، وهو المشهد الأول الذي تراه عيناي ولو عن بُعد». الرجل الذي تربطه بزوطر «علاقة عشق لا تنتهي، كما بأهلها وسهلها ووردها وطيرها ونهرها الذي هو بالنسبة إلينا علّة وجود البلدة»، يخشى من آثار القصف الإسرائيلي بالأسلحة المُحرّمة دولياً على البيئة والتنوع البيولوجي في قريته على المدى الطويل.
من جانبه، لا يتقبّل علي إسماعيل صورة الدبابات الإسرائيلية التي مرّت من أمام بيته القريب من «المجمّع الثقافي» في وسط البلدة، حيث دارت مواجهات هناك أيضاً. «قاهرني كتير هالموضوع، حسّيت الدبابات كأنها مارقة على جسدي، وتمنّيت للحظة لو إني عبوة ناسفة بطريقها». يألم إسماعيل، وهو ابن عائلة لها سيرة معروفة في المقاومة والنضال، لمشهد قريته وهو مقيم الآن خارجها، لكنه يستدرك: «ليست نهاية المطاف على أيّ حال، ونحن لسنا انهزاميين. دخل العدو القرية لكن غير مسموح له أن يبقى، وهذا ما تؤكّده مشاهد عمليات المقاومة».
علي، الذي حين كان طفلاً خبّأ السلاح للمقاومين، وشارك لاحقاً في تحرّكات واعتصامات عديدة لأجل قضية الجنوب وفلسطين، كان أبرزها وقفة تحرير أرنون عام 1999، يعرف جيداً أن طبيعة الحروب وتكتيكاتها تغيّرت اليوم. لكنه مع ذلك يثق بالمقاومين «الذين سيفعلون كل ما بوسعهم لإذلال الاحتلال مجدّداً».