بينما تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو اتفاق وقف إطلاق نار جديد مع إيران، وتحاول واشنطن تقديم الصراع على أنه نجاح، يشير تقرير لموقع “سكير بوست” إلى أن التكلفة البشرية للحرب قد تكون أعلى بكثير مما يقرّ به “البنتاغون”.
وبحسب التقرير، نقلاً عن الصحفي الاستقصائي نيك تورس، ارتفع عدد قتلى الجيش الأميركي الرسمي جراء الحرب مع إيران مجدداً وبهدوء، إلا أن أحدث الأرقام لا تزال تستثني، على ما يبدو، مئات القتلى المعروفين، ما يثير تساؤلات حول الشفافية والمساءلة، وما إذا كان الشعب الأميركي يطّلع على التكلفة الحقيقية للصراع.
ويُظهر نظام تحليل الخسائر الدفاعية الرسمي التابع لوزارة الحرب الأميركية حالياً 426 قتيلاً وجريحاً من أفراد القوات الأميركية المرتبطين بالحرب، وهو رقم أعلى من الإحصاءات السابقة. لكن تورس يشير إلى أن العدد الحقيقي قد يتجاوز 625، بسبب وجود إصابات، وحتى بعض الوفيات، تبدو غائبة عن السجل الرسمي.
ولا تقتصر هذه التناقضات على أخطاء في الحسابات، إذ أفادت تقارير سابقة باختفاء 15 جندياً جريحاً من إحصاءات “البنتاغون” الخاصة بالخسائر من دون تفسير. وعلى الرغم من الاستفسارات المتكررة من الصحفيين، لم يقدم المسؤولون العسكريون توضيحاً حول أسباب غياب هؤلاء الجرحى عن السجلات العامة.
وأشار مسؤول دفاعي، نقلت عنه صحيفة “ذا إنترسبت”، إلى أن هذا الأمر يثير احتمالين: إما أن محللي “البنتاغون” يفتقرون إلى الكفاءة بشكل استثنائي، أو أن جهة أعلى أمرت بتغيير الأرقام.
ومن بين الحالات غير المدرجة، جنديان أصيبا عندما أسقطت طائرة مسيرة إيرانية مروحية “أباتشي” تابعة للجيش الأميركي في وقت سابق من هذا الشهر. ورغم اعتراف القيادة المركزية الأميركية علناً بأن أفراد الطاقم المصابين يتلقون العلاج، فإنهما غير موجودين في قاعدة بيانات الإصابات الرسمية.
ولا تقتصر التساؤلات على إصابات ساحة المعركة، إذ يشير تورس إلى أن إحصاءات “البنتاغون” الخاصة بالقتلى تبدو غير مكتملة أيضاً. فقد نعى مسؤولون منتخبون وقادة عسكريون الرائد سورفلي دافيوس من الحرس الوطني لجيش نيويورك، بعد وفاته أثناء خدمته في الكويت، إلا أن وفاته لا تزال غائبة عن إجمالي الخسائر الرسمية.
والأكثر إثارة للجدل هو استبعاد أكثر من 200 بحار تلقوا العلاج بعد حريق واسع اندلع على متن حاملة الطائرات الأميركية “جيرالد آر فورد”. وبسبب تصنيف هذه الإصابات خارج نطاق إصابات القتال التقليدية، فإنها لا تظهر فعلياً في الإحصاءات الرسمية، رغم وقوعها أثناء مهمة عسكرية مرتبطة بالحرب.
وتسلّط هذه القضية الضوء على نمط تكرر في العديد من الحروب الأميركية، حيث تتحول أرقام الخسائر إلى أرقام سياسية بدلاً من كونها مجرد حقائق. وغالباً ما تركز الحكومات، سعياً إلى الحفاظ على الدعم الشعبي، على النجاحات العسكرية مع تقليل حجم الخسائر والتكاليف.
وتؤدي هذه الفجوة إلى اختلاف بين الواقع الذي يعيشه العسكريون والرواية المقدمة للجمهور، خصوصاً أن أعداد القتلى ليست مجرد إحصاءات، بل تؤثر في الرقابة البرلمانية، والرأي العام، واستحقاقات المحاربين القدامى، والسجل التاريخي الذي تعتمد عليه الأجيال المقبلة في تقييم الحروب.
وإذا جرى التلاعب بهذه الأرقام أو عرضها بشكل انتقائي، فإن الجمهور يفقد أحد المقاييس الأساسية لتقييم العواقب الحقيقية لأي عمل عسكري.
وبالنسبة لإدارة تعهدت مراراً بالشفافية والمساءلة، تزداد التساؤلات حول التقارير الرسمية لـ”البنتاغون” عن الخسائر. وقبل أن تطوي واشنطن صفحة هذا الصراع، يطالب التقرير بمحاسبة كاملة عمّا تحقق وما فُقد.