تتواصل الإجراءات القضائية في الأرجنتين لمحاكمة الطاقم الطبي الذي أشرف على علاج أسطورة كرة القدم الراحل دييغو مارادونا، في مشهد بات يحاكي التقلبات العاصفة التي اتسمت بها حياة “الفتى الذهبي”. فمنذ نيسان الماضي، يقف سبعة من العاملين في المجال الطبي في قفص الاتهام بشبهة الإهمال الذي أفضى إلى وفاة نجم نابولي السابق عام 2020، إثر أزمة قلبية وتراكم للسوائل في الرئتين بعد أسابيع من خضوعه لعملية جراحية. ورغم التوقعات بانتهاء المحاكمة في غضون أشهر قليلة، فإن كثرة الشهود والمشاحنات حولت القاعة إلى مسرح لدراما قضائية لا يبدو أنها ستنتهي قريبا.
يواجه الطبيب الشخصي لمارادونا، ليوبولدو لوكي -والذي يُنظر إليه كمتهم رئيسي- الاتهامات بإستراتيجية دفاعية بالغة الدقة. يحضر لوكي جميع الجلسات من دون استثناء، مقاطعاً مجريات المحاكمة لتقديم تسجيلات صوتية وأبحاث علمية تفند التهم الموجهة إليه.
وفي إحدى الجلسات، بلغت الدراما ذروتها عندما أصر لوكي ومحاموه على عرض لقطات لتشريح جثة مارادونا؛ وهو ما أثار صدمة إحدى بنات الأسطورة الراحل، لتدخل في نوبة بكاء هستيرية وتوجه شتائم للمتهم قبل أن تغادر القاعة مسرعة، مما أجبر القاضي على تعليق الجلسة وسط تشكيك عائلة مارادونا في ادعاء الطبيب بعدم علمه بوجودها في القاعة.
ولم تقتصر الإثارة على المتهمين، بل امتدت لتشمل ممثلي الدفاع والادعاء الذين حولوا القاعة إلى ساحة لتصفية الحسابات. وقد اضطر القضاة مرارا للتدخل لفض النزاعات اللفظية، حتى وصف القاضي ألبرتو غايغ تصرفاتهم بأنها “تشبه تصرفات الأطفال طوال الوقت”.
وبرز في هذا السياق الصدام الحاد بين فرناندو بورلاندو، محامي بنات مارادونا، وفرانسيسكو أونيتو، محامي الدفاع، والذي تخللته شتائم متبادلة ودعوات للعودة إلى “المدرسة الابتدائية” و”فتح القاموس”، وامتدت هذه الخلافات الصاخبة إلى أروقة المحكمة أمام عدسات الصحفيين وعناصر الشرطة.
وفي محاولة لكسر حدة التوتر المشحون، لجأ بعض المحامين إلى حيل طريفة؛ ففي إحدى الجلسات الباردة، جلب أحدهم حقيبة مليئة بحلوى “الألفاخوريس” الأرجنتينية الشهيرة، بينما أحضر محامٍ آخر فطائر “تشيباس” الباراغويانية من مخبز زوجته، في خطوة تحولت لاحقا إلى ترويج تجاري ناجح بين زملائه.
على الجانب العملي والتقني، شكّل مجسم ضخم لمنزل مارادونا في مدينة تيغري، صممه طلاب من جامعة بلغرانو، عنصراً أساسياً في الجلسات. المجسم الذي يبلغ طوله مترين ويحتاج لأربعة أشخاص لنقله ذهابا وإيابا، يُستخدم باستمرار لمساعدة الشهود على شرح وتوضيح تفاصيل تحركات الأيام الأخيرة في حياة الأسطورة.
أما المفارقة الأكبر والأكثر إدهاشا في هذه المحاكمة الطويلة، فهي أنها نُسفت بالكامل وأُعيدت من نقطة الصفر. فقد كان من المفترض أن تُطوى صفحة القضية العام الماضي، لولا تفجر فضيحة مدوية تمثلت في اكتشاف تورط القاضية المشرفة على القضية، خولييتا ماكينتاش، في المشاركة سرا بتصوير فيلم وثائقي عن حياة مارادونا ومحاكمة أطبائه، مما دفع السلطات لإلغاء المسار الأول وإعادة الإجراءات لتستمر فصول القضية في أروقة المحاكم.