استحضر الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي نموذج البطريرك مار إسطفان بطرس الدويهي من اهدن، ليقرأ على ضوئه واقع لبنان، مؤكدًا أنه لا يمكن فصل القداسة عن خدمة الإنسان والوطن. وأشار في عظته إلى أن لبنان لا يزال يتنفس بصعوبة تحت وطأة الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ويعيش قلق اتساع المواجهات في المنطقة، داعيًا إلى وضع المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة، والحقيقة فوق الحسابات الشخصية، والدولة فوق الانقسامات.
وشدد الراعي على أن المسؤول الذي يبقى أسير موقعه يفقد معنى المسؤولية، أما من يخرج من ذاته إلى خدمة الناس فيجد ذاته ودوره، معتبرًا أن الخروج من الأزمة يحتاج إلى تغيير في مفهوم ممارسة المسؤولية، بحيث تصبح السلطة خدمة لا امتيازًا، والعمل العام التزامًا بمصلحة المواطنين لا بالمصالح الخاصة.
وحدد البطريرك الماروني في عظته مفهومًا واضحًا لخلاص لبنان، فقال إن «خلاص الوطن يبدأ عندما تتحول السياسة من صراع على النفوذ إلى خدمة للخير العام، والإدارة من مساحة للمحسوبيات إلى بيت للكفاءة، والقضاء إلى حصن للعدالة، والاقتصاد إلى ضمانة لكرامة العائلات ومستقبل الشباب». وبذلك، ربط بين التوبة التي جسدها زكّا في الإنجيل وبين ما يحتاج إليه لبنان من مراجعة وطنية ومسؤولية فعلية، إذ لا تكفي المواقف والشعارات ما لم تتحول إلى أداء سياسي وإداري وقضائي يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويحفظ كرامة الإنسان ومستقبل الأجيال.
وفي أبرز المواقف الوطنية، جدد البطريرك الراعي الدعوة إلى السلام، مؤكدًا: «السلام نريده قرارًا وطنيًا يحمي لبنان وأبناءه ويبعد عنه نار الحروب». وشدد على أن لبنان يحتاج إلى سلام عادل وشامل ودائم، يُبنى في ظل الدولة، ويعيش فيه اللبناني آمنًا على حاضره ومستقبل أولاده. كما جدد دعمه لـاتفاق الإطار بوصفه مسارًا وطنيًا لمعالجة القضايا العالقة وتثبيت السلام الدائم والعادل والشامل، مع حفظ سيادة الدولة على كامل أراضيها. وأكد أن السلام لا يمكن أن يكون مجرد توقف مؤقت للمواجهات، بل ينبغي أن يرتبط بقيام الدولة ومؤسساتها وبسط سيادتها وتأمين الاستقرار الذي يسمح للبنانيين بالبقاء في أرضهم وبناء مستقبلهم.
وتوقف البطريرك عند معاناة النازحين والمتضررين، مؤكدًا الوقوف إلى جانبهم والمطالبة بالإسراع في إعادة الإعمار، لأن سلام لبنان من سلام الجنوب. وأشار إلى أن إعادة بناء القرى والبيوت تعني تثبيت الناس في أرضهم، وردّ الحق إلى أصحابه، وإعادة الحياة إلى أرض دفعت ثمنًا باهظًا. وفي هذا السياق، أكد أن الدولة هي المرجعية الشرعية لجميع اللبنانيين، وأن وحدة القرار والسيادة وحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية هي التي تحمي الوطن من الفوضى والانقسام.
ونوّه البطريرك الراعي بالدور الوطني الذي يضطلع به الجيش اللبناني في حفظ الأمن والانتشار في الجنوب وتثبيت سلطة الدولة، مشيرًا إلى الأعباء الجسيمة التي يتحملها في هذه المرحلة. ودعا إلى إحاطة المؤسسة العسكرية بالدعم السياسي والمادي والمعنوي وتحصينها من التجاذبات، مؤكدًا أنها جيش جميع اللبنانيين، وضمانة وحدتهم، والمؤتمن على الأرض والشعب والسيادة.
وتطرق البطريرك الراعي إلى اقتراب ذكرى الرابع من آب وانفجار مرفأ بيروت، معتبرًا أن الجرح لم يندمل، وأن هذه الذكرى لا يجوز أن تتحول إلى مناسبة عابرة. واستذكر الضحايا وعائلاتهم والجرحى والمتضررين، وقال: «لن ننسى، ولا نقبل أن تُدفن الحقيقة تحت ركام المرفأ». وأكد أن العدالة حق لا يسقط، وكشف الحقيقة والمسؤوليات واجب لا يجوز تعطيله، وأن مطلب أهالي الضحايا والمتضررين هو مطلب كل لبناني يؤمن بدولة القانون، واضعًا بذلك قضية المرفأ في صلب مسؤولية الدولة عن حماية العدالة وكشف الحقيقة.
الدويهي رسالة للبنان في زمن الأزمات
واختتم البطريرك عظته بالعودة إلى الطوباوي إسطفان الدويهي وإلى إنجيل زكّا، مؤكدًا أن التوبة الحقيقية تقود إلى العدالة، وأن الإيمان يصبح حيًا عندما يتحول إلى مسؤولية وخدمة.
وبعد القداس، توجّه الراعي يرافقه الأساقفة والكهنة والحضور الرسمي، إلى دير مار بولس، المقر الصيفي لنيابة إهدن – زغرتا، حيث ترأس رتبة تدشينه بعد إنجاز أعمال الترميم.