قالت مصادر باكستانية لـ”الشرق”، إن الساعات الـ48 المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد مصير وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، محذرة من أن استمرار الخلاف بين الطرفين وعدم العودة إلى مفاوضات جوهرية قد يرفع خطر تجدد الضربات.
وأضافت المصادر أن نافذة الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، لكن الفجوة بين واشنطن وطهران اتسعت، فيما تواجه جهود الوساطة الإقليمية صعوبات متزايدة في تحويل الهدنة الموقّتة إلى إطار تفاوضي مستدام.
وشهدت الساعات الأخيرة روايات متباينة بشأن وضع وقف إطلاق النار، فقد نقلت وسائل إعلام عن مصادر في الحكومة الباكستانية أن الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على تمديد الهدنة المرتبطة بمذكرة التفاهم التي رعتها إسلام آباد، والتي كانت تقترب من موعد انتهائها في 17 آب.
لكن مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى قال، بشكل منفصل، إن طهران وواشنطن لم تجريا محادثات بشأن تمديد وقف إطلاق النار. ولاحقاً، نفت وزارة الخارجية الباكستانية وجود مفاوضات لتمديد الاتفاق.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إنه لا توجد أي محادثات أو اتصالات جارية أو مقررة مع إيران، مضيفاً أن الحصار البحري “لا يزال قائماً بالكامل وساري المفعول”، وذلك، بعدما قال إن واشنطن لا تسعى لتمديد “مذكرة التفاهم”، التي انتهت الاثنين، رسمياً، ووسط تعثر التوصل إلى اتفاق مع طهران بشأن المضيق، أو استئناف المحادثات الأوسع نطاقاً.
ولا يقتصر التعثر على مسألة تمديد الهدنة، بل يمتد إلى مستقبل التفاهم الأوسع بين الطرفين، والذي كان يفترض أن يوفر مساراً للانتقال من وقف مؤقت للقتال إلى تسوية أكثر ديمومة.
وتريد إيران من أميركا العودة إلى الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم قبل المضي قدماً، وتقول إن واشنطن لم تنفذ الجزء الخاص بها من التفاهم.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى إدخال تعديلات تتجاوز مجرد وقف العمليات العسكرية، ما يجعل الخلاف مرتبطاً بمضمون أي اتفاق مقبل وشروطه، وليس بمدته فقط.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه قنوات الوساطة الإقليمية مفتوحة، إذ تضطلع باكستان وقطر وسلطنة عُمان بأدوار مختلفة في نقل الرسائل والمقترحات بين الطرفين.
ويمثل مضيق هرمز أحد أكثر الملفات تعقيداً في المفاوضات، إذ تقول إيران إن عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها لن تكون تلقائية، وإنها تريد من واشنطن تقديم تنازلات أوسع قبل إعادة فتح الممر المائي بالكامل.
وتشمل المطالب الإيرانية، وفق مصادر مطلعة، إنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، ورفع العقوبات، والتعويض عن الأضرار الناجمة عن الحرب، وإتاحة الوصول إلى الأموال الإيرانية المجمدة.
وفي المقابل، تضغط الولايات المتحدة من أجل إعادة فتح الممر الاستراتيجي واستئناف حركة الملاحة التجارية، ما جعل قضية هرمز مرتبطة مباشرة بالملفات الأخرى محل التفاوض، وفي مقدمتها العقوبات والبرنامج النووي وتداعيات المواجهة العسكرية.
لكن المصادر الباكستانية رفيعة المستوى لا تبدي تفاؤلاً كبيراً بعد الزيارة الأخيرة لوزير الداخلية الباكستاني إلى طهران، مشيرة إلى صعوبة التوصل إلى أرضية مشتركة في ظل تشدد الموقف الإيراني بشأن شروط التسوية.
وقال مصدر لـ”الشرق”، إن “السلطات العسكرية الإيرانية غير مرنة في موقفها، وهذا يمثل مشكلة حتى بالنسبة إلى مفاوضيها”. وأضاف: “إذا استمر هذا الوضع، فإن حرباً وحشية أخرى تقترب منا جميعاً بشكل وشيك”. وتابع: “باكستان أوضحت أنه لا ينبغي الانتقال من مسار المفاوضات والوساطة إلى مسار المواجهات، لأن ذلك لا يحقق نتائج مثمرة”.
الملف النووي لم يُحسم
ويبقى البرنامج النووي الإيراني أحد الملفات الرئيسية التي تحول دون التوصل إلى تسوية طويلة الأمد بين واشنطن وطهران.
وكانت فترة التفاوض البالغة 60 يوماً قد صُممت لإتاحة المجال أمام التوصل إلى تفاهم أكثر استدامة يشمل البرنامج النووي والعقوبات الأميركية، إلا أن هذه العملية لم تنتهِ إلى اتفاق نهائي.
وشهدت القنوات الإقليمية اتصالات متعددة خلال الفترة الماضية، لكنها لم تتحول إلى اختراق مؤكد بين واشنطن وطهران. واعتمد الطرفان بدرجة كبيرة على الوسطاء لنقل المقترحات والرسائل، بدلاً من إجراء مفاوضات مباشرة ومستقرة.
ولا يوجد، في الوقت الراهن، اتفاق شامل مؤكد يمكن البناء عليه لإنهاء الخلافات الرئيسية، فيما تستمر باكستان وقطر في محاولة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
اتصالات مكثفة بلا اختراق
وقالت مصادر لـ”الشرق”، إن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف أجريا اتصالات مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ووزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، كما تحدثا مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.
وأضافت المصادر أن اتصالات أخرى مرتقبة تشمل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والرئيس ترامب.كما تحدث رئيس الوزراء الباكستاني مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن تطورات ما بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار.
وقال مصدر مطلع على الاتصالات إنه “حتى الآن لم يتم تلقي أي رد مشجع من أي من الجانبين”. ولفت المصدر إلى أن الدول المعنية أبقت تفاصيل هذه الاتصالات بعيدة عن العلن، مضيفاً أن “واشنطن وطهران غير مستعدتين للجلوس معاً، وهذا يضع الأمر في موقف بالغ الصعوبة”.
وتعكس هذه الاتصالات حجم الجهد الذي تبذله إسلام آباد للحفاظ على المسار الدبلوماسي، لكنها في الوقت نفسه تظهر محدودية قدرة الوسطاء على تجاوز الخلافات الأساسية بين الطرفين.
مخاوف من تجدد الضربات
وتتزايد احتمالات استئناف العمل العسكري مع تعرض المسار الدبلوماسي لضغوط متزايدة وتمسك واشنطن وطهران بمواقف متباعدة بشأن شروط التسوية.
وقال مسؤول باكستاني رفيع المستوى لـ”الشرق”، إن الإيرانيين أعربوا عن قلقهم من الاستعدادات الإسرائيلية، ومن الزيارة التي استمرت 10 أيام لقائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” الجنرال براد كوبر إلى منطقة الشرق الأوسط.
وسبق أن نقلت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن إلغاء الإجازات العسكرية في إسرائيل، وسط مخاوف من مواجهة محتملة جديدة مع إيران، وهو ما أثار تكهنات بشأن استعداد الجيش الإسرائيلي لسيناريوهات تصعيد مختلفة في حال تعثر المسار الدبلوماسي.
وفي تطور آخر، أبلغت إيران باكستان بزيادة حجم المعدات العسكرية التي يجري تخصيصها لمضيق هرمز خلال هذا الأسبوع، في وقت تستمر فيه التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة.
ولا توجد، في الوقت الراهن، أدلة مستقلة مؤكدة على هجوم أميركي أو إسرائيلي وشيك في موعد محدد. لكن استمرار الاستعدادات العسكرية وتصاعد التوتر حول مضيق هرمز يبقيان احتمال التصعيد قائماً.
ويرى مسؤولون باكستانيون أن الساعات المقبلة ستكون اختباراً لقدرة واشنطن وطهران على تحويل وقف إطلاق النار إلى مسار تفاوضي فعلي.
وقال مصدر لـ”الشرق”: “قد تكون الساعات الـ48 المقبلة حاسمة. فإذا صمد تمديد وقف إطلاق النار، واتفقت واشنطن وطهران على آلية لاستئناف مفاوضات جوهرية، فقد يتراجع الخطر الفوري لتجدد الضربات”.
لكن استمرار الخلاف بشأن هرمز والعقوبات والبرنامج النووي والالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم يجعل الوصول إلى اتفاق دائم أكثر تعقيداً.
وبالنسبة إلى باكستان، لا يتعلق الأمر فقط بنجاح وساطتها، بل بمنع عودة المواجهة إلى المنطقة واتساع نطاقها. ولذلك تدفع إسلام آباد باتجاه استمرار الحوار، في وقت تعتمد فيه نتيجة المسار الدبلوماسي في النهاية على القرارات التي ستتخذها واشنطن وطهران وتل أبيب.
وحتى تتضح رسمياً مسألة تمديد وقف إطلاق النار وتُستأنف مفاوضات جوهرية بين واشنطن وطهران، تبقى الهدنة هشة، وتظل احتمالات العودة إلى الخيار العسكري قائمة.