يفترض عقد جولة مفاوضات جديدة بين روسيا وأوكرانيا، برعاية أميركية، في أبو ظبي يومي 10 و11 تشرين الثاني، من دون أي مشاركة أوروبية فيها، لكن “تسونامي” فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، لم يلق بظلاله على مسار الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب فقط، بل أوجد حالة من عدم اليقين بشأن انعقاد هذه المفاوضات من عدمه، لا سيما بعدما أسفرت انتخابات التجديد النصفي عن خلط الأوراق وقلب أولويات الإدارة الأميركية رأسا على عقب، عقب خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس لمصلحة الديمقراطيين، وهذا ما وضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام واقع سياسي جديد قد يقيّد هامش تحركها في الملفات الخارجية.
وبينما يغلف الغموض أولويات ترامب في مرحلة ما بعد الانتخابات وخسارته دعم الكونغرس لسياساته، وما إذا كان سيواصل مساعيه للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب، تترقب موسكو وكييف انعكاسات التحولات في موازين القوى داخل واشنطن على الموقف الأميركي، وعلى فرص تحقيق اختراق في المفاوضات، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين، ولا سيما بشأن الأراضي والضمانات الأمنية.
وفي محاولة لفهم الموقف الروسي من هذه التطورات، وما يمكن أن تحمله الجولة المرتقبة من نتائج، سألت “المدى” المحلل المتخصص في الشؤون الروسية والسياسات الدولية، د.سعيد طانيوس، المقيم في موسكو، ما الذي تغيّر في الموقف الروسي ودفع موسكو إلى استئناف المفاوضات مع أوكرانيا في أبو ظبي؟
فأجاب: «في الحقيقة، لم يطرأ أي تغيير على الموقف الروسي من المفاوضات مع أوكرانيا. فموسكو كانت ولا تزال منفتحة على المسار التفاوضي، شرط أن يفضي إلى حلول واقعية تأخذ في الاعتبار الوقائع الميدانية، لا التمنيات والإملاءات الغربية التي تسعى، بحسب الموقف الروسي، إلى إطالة أمد الحرب حتى آخر جندي أوكراني».
أما على صعيد الملفات التي قد تشكل نقاط خلاف أو تقاطع بين موسكو وكييف، فيشير طانيوس إلى أن مصير جولة المحادثات المرتقبة في أبو ظبي لا يزال غير محسوم، في ظل غياب اليقين بشأن انعقادها، ولا سيما أن نتائج الانتخابات الأميركية أعادت خلط الأوراق. وترى موسكو، وفق تقديره، أن لا جدوى من عقد هذه الجولة في حال غياب الجانب الأميركي عن المشاركة فيها.
وفي حال انعقاد المحادثات، يتوقع أن تتصدّر مسألة الأراضي والضمانات الأمنية المتبادلة قائمة الملفات الخلافية، ولا سيما انسحاب ما تبقّى من القوات الأوكرانية من منطقة دونباس، وتحديداً من إقليم دونيتسك، مقابل انسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية الواقعة خارج نطاق الأقاليم الأربعة التي أعلنت روسيا ضمّها عقب استفتاءات عام 2022.
وفي ما يتعلق بفرص تحقيق اختراق حقيقي في مسار التسوية، يستبعد طانيوس أن تفضي مفاوضات أبو ظبي إلى نتائج جوهرية، مرجّحاً أن تتخذ، في حال انعقادها، طابعاً تقنياً، وأن تقتصر على ملفات محددة، مثل تبادل الأسرى وجثامين القتلى ورفع الحصار عن بعض البلدات الأوكرانية. أما إذا طُرحت القضايا الأساسية والمعقدة، فستبقى المناقشات، برأيه، في إطار جسّ النبض واستكشاف مواقف الأطراف، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات السياسية في الولايات المتحدة وانعكاساتها على مسار الأزمة.
وعلى مستوى التداعيات الأميركية، تتباين آراء الخبراء والمحللين بشأن حجم التأثير الذي ستتركه نتائج انتخابات التجديد النصفي على موقف الرئيس دونالد ترامب من الحرب والمفاوضات، غير أن طانيوس يرى أن هذه النتائج ستنعكس، بدرجات متفاوتة، على هامش تحرك الرئيس الأميركي ودوره في جهود التسوية، فضلاً عن طبيعة مقاربته للمفاوضات خلال المرحلة المقبلة.
وبخصوص انعكاس تراجع نفوذ ترامب داخل الكونغرس على الحسابات الروسية، لا تعتقد موسكو، بحسب طانيوس، أن ذلك سيمنحها هامشاً تفاوضياً أكبر، بل ترى أن من شأنه أن يدفع واشنطن إلى تبني موقف أكثر تشدداً تجاه روسيا، ولا سيما من خلال فرض مزيد من العقوبات، وتبني الكونغرس الجديد مشاريع قوانين تطلب من الإدارة تزويد أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة والعتاد العسكري وعلى رأسها صواريخ الدفاع الجوي من طراز “باتريوت”، فضلا عن خدمات “ستارلينك” للاتصالات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، فضلاً عن احتمال تراجع الدور الأميركي المحوري في جهود تسوية الأزمة الأوكرانية.