عقد العلّامة السيد علي فضل الله لقاءً حواريًا في المركز الإسلامي الثقافي في حارة حريك، تحت عنوان «سلاح الصبر في مواجهة التحديات»، تناول فيه أهمية الصبر في حياة الإنسان والمجتمع، ودوره في مواجهة الابتلاءات والتحديات، قبل أن يجيب عن عدد من الأسئلة المتصلة بآخر المستجدات في لبنان والمنطقة.
وقال فضل الله إن الصبر مطلوب في حالات كثيرة؛ فهو صبر لمواجهة التحديات التي تعترض الإنسان، حتى لا يسقط أمامها أو ينهزم، بل يصمد متمسكًا بدينه وقيمه، وصبر في الدعوة إلى الله، كي لا يتراجع الإنسان تحت ضغط المعاندين والجاهلين والحاقدين، وصبر يحفظ للإنسان حريته، فلا يملك الآخرون قراره ومواقفه، كما أنه ضرورة لتحقيق الطموحات والأحلام، لأن الإنسان كلما كبرت أهدافه وسمت، عظمت التحديات التي يواجهها وطالت، وأصبح أكثر حاجة إلى سلاح الصبر.
وتابع أن الحديث عن الصبر يستدعي توضيح مفهومه، الذي قد يلتبس على كثيرين فيمارسونه بطريقة خاطئة، وكأن الدعوة إليه هي دعوة إلى الخنوع والخضوع وقبول الأمر الواقع، حتى لو كان ظالمًا وفاسدًا وطاغيًا، مؤكدًا أن الصبر، في حقيقته، يعني الثبات على الحق والعدل والقيم والمبادئ، وعدم التراجع عنها.
وشدد على أننا نصبر ونصرّ على أن نكون أعزاء أحرارًا، رغم الإغراءات والتهويل والتخويف، مشيرًا إلى أن الصبر في حسابات الله ليس هدفًا يقف عنده الإنسان، بل هو وسيلة تعينه على تجاوز الابتلاءات والصعوبات، وتمنحه القدرة على التفكير بهدوء وروية، لاتخاذ القرار الصائب والموقف الحق والتوجه نحو الاتجاه الصحيح.
ولفت إلى أن بلوغ قيمة الصبر يحتاج إلى بذل الجهد مع النفس وتدريبها على عدم الحصول على كل ما ترغب فيه، ومجاهدتها حتى لا تندفع نحو المخاطر وراء رغباتها، وهنا تبرز أهمية جهاد النفس. وأكد أن الصبر هو الذي يساعدنا على الثبات على مواقفنا وعدم التراجع عنها، وألا نتحرك بدافع التوتر والعصبية والانفعال، أو نخضع للخوف والتهويل والتهديدات.
ورداً على سؤال حول مدى اعتماد مبدأ الكفاءة والأمانة في واقعنا اليوم، أكد فضل الله أننا معنيون بتثبيت هذه القيمة في مجتمعنا، لأن الكفاءة والأمانة ليستا خيارًا ثانويًا، بل هما واجب يفرضه تحمّل المسؤوليات.
وأوضح أن المجتمع الذي يقصي أصحاب الكفاءات ويفضّل عليهم غير المؤهلين إنما يضعف نفسه بنفسه ويفتح أبواب الفساد أمامه، مشيرًا إلى أن الفساد لا يقتصر على سرقة المال، بل من صوره أيضًا حرمان صاحب الكفاءة من حقه لأنه لا يملك واسطة، وتقديم غير المؤهل لأنه يمتلك نفوذًا، الأمر الذي يؤدي إلى إفساد العمل والعجز عن القيام بالدور المطلوب.
وأعرب عن أسفه لاستمرار سيطرة مبدأ المحاصصة وتقاسم الجبنة على واقعنا، بما يتحكم بمسار تولّي المسؤوليات والمراكز، الأمر الذي يؤدي إلى استبعاد كثيرين ممن يمتلكون الكفاءة، ويدفع عددًا منهم إلى مغادرة الوطن والهجرة بحثًا عن فرص تتيح لهم الاستفادة من قدراتهم وخبراتهم.
وحول تزايد عمليات التشليح والسرقات، أكد فضل الله ضرورة تقدير الجهود التي تبذلها القوى الأمنية لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، التي باتت منتشرة في مناطق لبنانية عدة. ودعا الدولة إلى تعزيز إمكانات القوى الأمنية وقدراتها، حتى تتمكن من القيام بالدور المطلوب منها، كما دعا مختلف القوى الفاعلة على الأرض إلى دعم هذه الأجهزة ومساندتها في حماية الأمن الاجتماعي وصون سلامة الناس وممتلكاتهم.
وفي تعليقه على اكتشاف أشخاص ينتحلون صفات رسمية أو أمنية ويتمكنون من الوصول إلى مواقع ومراكز حساسة، أعرب عن أسفه لهذه الظاهرة، معتبرًا أنه من المحزن أن نكتشف بين الحين والآخر أشخاصًا استطاعوا خداع كثيرين، والوصول إلى مواقع حساسة، وإقامة علاقات مع شرائح واسعة من الطبقة السياسية والقضائية والأمنية في هذا الوطن.
وأشار إلى أن هذه الوقائع تكشف مدى سهولة اختراق بعض مفاصل المنظومة من قبل أشخاص لا يريدون الخير لهذا الوطن، ما يستدعي إجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الاختراقات، منعًا لتكرار مثل هذه الظواهر التي تشكل خطرًا على أمن الوطن وسمعته.
وفي معرض حديثه عن الهمّ المعيشي الذي يلاحق اللبنانيين، شدّد على ضرورة أن تضع الحكومة المسألة الاجتماعية في صدارة أولوياتها، وأن تنتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى معالجتها بصورة جدّية، من خلال وضع برنامج اقتصادي واجتماعي متكامل، قادر على مواجهة التحديات المتفاقمة وتلبية المطالب المحقّة للمواطنين.
وأشار فضل الله إلى أن الدولة تمتلك الإمكانات والموارد التي تتيح لها معالجة هذه الأوضاع، إذا ما أحسنت إدارة أموالها والاستفادة من مقدّراتها، لافتاً إلى أنه لم يعد مقبولاً التعامل مع الأزمة المعيشية وكأنها أزمة عابرة يمكن احتواؤها بتدابير مؤقتة أو عبر تجزئة الملفات.
وأضاف أن المواطن اللبناني، الذي أنهكته الأزمات المتلاحقة، وتآكلت قدرته الشرائية، وفقدت رواتبه ومدّخراته وتعويضاته الكثير من قيمتها، بات يواجه صعوبات متزايدة في تأمين أبسط مقوّمات العيش الكريم، ما يستدعي تحرّكاً حكومياً مسؤولاً يضع كرامة الإنسان وحقوقه الاجتماعية في مقدّمة الاهتمامات.