الابن الشاطر تمرّد على «المدرسة الرحبانية» (محمد ناصر الدين – الأخبار)

الإثنين ٢٨ تموز ٢٠٢٥

الابن الشاطر تمرّد على «المدرسة الرحبانية» (محمد ناصر الدين – الأخبار)

«زياد الرحباني يلتقي مع كل إنسان جاء إلى هذه الأرض»: ربما تلخص هذه الجملة التي قالها الشاعر الجنوبي جوزف حرب كل التجربة العبقرية والفذة لزياد الرحباني (1956-2025) الذي تشبه في مشتركها الإنساني ما وصف به أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» حال المغني ابن سريج الذي يقال إنه أول من أدخل آلة العود الخشبية إلى الحجاز، ليقول عنه إبراهيم الموصلي بعد قرن من الزمن: «كأنّه خُلق من كل قَلب فهو يغنّى له ما يشتهي».

هكذا جعلتنا ظاهرة الولد العبقري نقف أمام أفولها بالموت كأننا أمام خسارة شخصية، لأن زياد لم يسكننا بالموسيقى والفن فحسب، بل في لغة كاملة اخترعها ورشقهَا وصقلها كما تصقل السكين اللامعة ثم ألقاها فوق ألسنتنا لنشرّح بها الوطن والحرب والطائفية والحب. لغة تتردد ذهاباً وإياباً بين الفن والحياة بوجهها الصلف والهش والعاري والملتبس، تردّد الشعر بين الصوت والمعنى وفقاً لمقولة بول فاليري الشهيرة. فكيف خرجت تلك الظاهرة في الموسيقى والمسرح والإذاعة، التي اسمها زياد الرحباني وتشاكلت وانجدلت في حياتنا حتى خلنا أنها لا تنتهي انتهاء الحياة ذاتها، ليصفعنا الموت بنهايتها بما يترك تلك الغصّة في القلب والمرارة فوق اللسان؟

لا بد من العودة إلى البدايات لدراسة هذه الظاهرة التي لا تشبه إلا نفسها: المسار البيويولوجي الجيني أولاً، فهو ابن البيت الرحباني والنهضة الغنائية التي حققتها الأسرة الرحبانية التي مثلها الثلاثي فيروز وعاصي ومنصور على مدى ما يزيد على نصف قرن. نهضة لا بد من رؤيتها في سياق اجتماعي-سياسي هو تاريخ لبنان الحديث، أو تاريخ الدولة اللبنانية وما واكب ذلك من ديناميات في المجالات الثقافية.

في هذه اللحظة المثقلة بالحنين الشعري ولدَ ما تسمّيه الناقدة خالدة سعيد «يوتوبيا القرية اللبنانية» التي بنت العبقرية الموسيقية والشعرية والمسرحية لعاصي ومنصور الرحباني صورتَها المثالية، وتجلّت روحها في الصوت الملائكي لفيروز، البطلة التي تحمل قيم هذه القرية وتصون التجانس الجمعي للقرية المتخيلة بنقطة انطلاقها المرجعية المتمثلة في الثقافة الشعبية لجبل لبنان. ثم ما لبثت هذه الصورة المشهدية النمطية أن احتلّت معظم النتاج الرحباني حتى وفاة عاصي وذهاب فيروز ومنصور كلّ في اتجاه.

الورشة الفنية الباذخة هذه للأخوين الرحباني شكّلت «البيئة الحاضنة» التي تلمّس فيها الولد الموهوب أولى خطواته، وسط إحاطة خاصة من عاصي بعبقرية الولد في إتقانه المبكر للعزف على آلتين على طرفي نقيض: البزق التي تنضح بروح الشرق، والبيانو الذي ينطق بروح الغرب، وهو ما سيطبع نتاجه في ما بعد بتلك الجدلية عبر التعاطي مع الموسيقى العالمية تأليفاً وعزفاً وأداء من خلال مناخ الموسيقى الشرقية، والبحث كما يقول الباحث الموسيقي طلال وهبة عن «مناحٍ جديدة في تأليف الأغنية العربية والعلاقة بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، وعلاقة الأغنية العربية المعاصرة بالتراث الشرقي، وتأثير التيارات الاجتماعية في ذلك وكيفية الربط بين التراث والواقع المعاش، وكيفية التوصل إلى أجوبة ميدانية لذلك».

المسيرة اللاحقة للولد العبقري ستجزم بأنه أجاب عن كل هذه الإشكاليات الثقافية العويصة، ولو لم تكن هذه الأسئلة الفنية المعقدة حاضرة بصيغتها المنهجية المنظمة في دماغ الولد الذي كتب ديواناً أسماه «صديقي الله» وهو في عمر الـ 13، وهي السنة ذاتها التي بدأ فيها دروسه النظرية في الموسيقى مع بوغوص جلاليان وظهرت عليه أولى أمارات النبوغ الموسيقي حين يظهر عازفاً بديلاً سنة 1971 في فرقة فيروز، وتلحينه أغنية «ضلّك حبيني يا لوزية» للفنانة هدى حداد.

يمكن اعتبار مسرحية «سهرية» التي كتبها ولحنها سنة 1973 بمنزلة البصمة الشخصية المستقلة لصاحبها، فالمسرحية التي وإن بدت من ناحية المكان (القرية اللبنانية بتراثها وفولكلورها) متأثرة ببداية الأخوين الرحباني الإذاعية والمسرحية، إلا أنها من الناحية الموسيقية كشفت عن خلطة مبتكرة من الفولكلور المشرقي والموسيقى الرحبانية والتأثر بفيلمون وهبي. طابع سيطغى على لحن زياد الأول لفيروز «سألوني الناس عنك يا حبيبي» في مسرحية «المحطة» في السنة ذاتها، ثم تطعيم اللحن بالطابع الغربي كما بدا ذلك واضحاً في «قديش كان في ناس» و«نطرونا كتير» و«حبّو بعضن»، لتظهر شخصيته الموسيقية في عمل ناضج ومكتمل في لحن «وحدن» الذي جمعه بصوت فيروز وكلمات طلال حيدر.

إلا أن أهمية «سهرية» تكمن في الجدلية المتفجرة في «يوتوبيا القرية اللبنانية» ذاتها التي التفت إليها الشاب العبقري الذي بدأ يتبحّر بقراءة فرويد ويونغ وأدلر طارحاً على نفسه السؤال الصعب: هل وجدَت تلك القرية الرحبانية الجميلة حقّاً؟ لذلك، راح يبحث عنها في نقيضها، في مدينة التمدين الفجّ والعشوائي مع استنفاد مفاعيل المرحلة الشهابية، على ما ذهب إليه الشاعر الجنوبي عصام العبدالله في التقاطة مدهشة: «ما في مدينة اسمها بيروت/ بيروت عنقود الضيع». المدينة المتشكلة رأسمالياً بطبقاتها المسحوقة والوسطى والعليا الممتلكة لرأس المال، وصراعاتها الطبقية والأهلية كانت تنذر بفتيل حرب قادمة بعد سنتين لا أكثر من «سهرية».

لم ينقلب زياد على الإرث الرحباني الغنائي بعد «سهرية»، بل كان ما فعله بمشروع أهله على ما يذهب إليه الناقد كريستوفر ستون بمنزلة تحويل المسرح من الملحمة إلى الرواية: «ما يسم الملحمة بحسب باختين وغيره أمثال لوكاش هو ابتعادها وانكتامها عن أي حاضر، وفي حين تنظر الملحمة إلى الوراء، فإن الرواية متجذرة في الحاضر، بل تنظر دائماً إلى الأمام. وخلافاً لمسرحيات الأخوين رحباني التي تنتهي بالزواج أو النصر العسكري، فإن مسرحيات زياد أكثر إشكالية، من الثورة الناقصة في نهاية «نزل السرور»، إلى القدر غير المعروف لثريا وزكريا في «بالنسبة لبكرا شو»، فإلى العلاج المشبوه للمرض في خاتمة «فيلم أميركي طويل»، وانتهاء بالمسرحية التي لن تعرض في «شي فاشل». لا عجب، والحالة هذه، أن تُعتبر مسرحيات زياد متنبئة بأحداث المستقبل، في حين وصف مسرح الأخوين رحباني بأنه تعبير عن الحنين إلى ماضي يوتوبي ما».

وهكذا شكلت محاولة زياد انتفاضة مدينية في قلب البيت الرحباني. كانت مسرحيتا «نزل السرور» و«بالنسبة لبكرا شو» بمنزلة قراءة فنية وثقافية في تفاصيل الحياة اليومية للمدينة بصراعاتها الطائفية والأهلية، والأهم بلغتها الشعبية. حتى إنّ الناس تفاعلوا مع هذه الشخصيات واستعاروا قاموسها و«قفشاتها» وسخريتها السوداء التي تسخر من كل شيء، حتى من أصحابها أنفسهم: كان زياد قد تحرر من فانتازيا الأحادية اللغوية (وتحديداً لهجة جبل لبنان) وقرينتها الأحادية الثقافية التي يربطها باختين بالطغيان السياسي، ومن محاولتهم فرض هذه الأحادية على أشكال الفن الأخرى مثل الدبكة المتعددة في منطقة بلاد الشام.

المتتبع لسيرة الرجل الذي برع في اختراع الجدليات انطلاقاً من المنهج الماركسي الذي ظل وفيّاً له حتى آخر يوم في حياته، لا يمكن أن يغفل عن الجدلية الكبرى: جدلية فيروز-زياد، التي لا ينتبه من يشير إليها إلا إلى طرف من أطرافها. أنزل الولد الأم-الأيقونة من برجها العاجي في اللغة والموسيقى واستدرجها إلى الإيقاع اليومي الذي يعمل على اكتشاف جمالياته الخاصة، إلى عالم هدم اليوتوبيا وإقامة الراهن في الانكسارات والاغتراب واقتحام تناقضات وعري الحياة اليومية، إلى حيث يحب أن يسمعها الصيادون في المراكب، والتلامذة في المدارس، والناس البسطاء في الأسواق والطرقات والمقاهي، في كلام يشبه اللغة الشائعة مثل «ولو شو بشعة مرتو»، و«كان غير شكل الزيتون، كان غير الشكل الصابون»، وبألحانها المرحة التي يواصل فيها الولد المشاغب لعبة استكشاف المساحات المشتركة بين الجاز والموسيقى العربية.

في الختام، لا بد من نقطة أخيرة حول مفردة «العبثية» التي يطيب لكثيرين وصم تجربة زياد الرحباني بها، ولا سيما من قبل المعسكر المعادي للالتزام الفكري والعقائدي لزياد في مواجهة الإمبريالية والرأسمالية المتوحشة والصهيونية البربرية، ودعمه لكل حركات المقاومة وإعجابه بلا مواربة بشخصية السيد الشهيد حسن نصر الله في مشروعه لمجابهة الاحتلال. كان زياد على ما قاله في حوار مع نزار مروة يقارب الحرب بوعي سياسي مكتمل، «في الوقت الذي كانت الحرب هي العبثية».

قارب يوميات الحرب الأهلية اللبنانية وكل القضايا التي تعصف بمنطقتنا الملتهبة بوحي من هذا الالتزام السياسي والأخلاقي ولو بصيغة ساخرة، إذ يذكر رسام الكاريكاتور المصري بهجت عثمان في حديث مع الموسيقار والناقد الياس سحاب إنه درس في ألمانيا أصول الفنون التحريضية، ولكنه لم يفهم من تلك المحاضرات شيئاً عن روح الفن السياسي التحريضي كما فهمه بعد الاستماع إلى تسجيلات «بعدنا طيبين قولو الله» الذي بثه زياد مع زميله جان شمعون في الإذاعة اللبنانية، وبرنامج «العقل زينة» على أثير «صوت الشعب».

انطفأت الشعلة المتوهّجة في هذا اليوم الحزين من تموز، وأغلق غطاء البيانو في حانة «بلو نوت»، وانتظرنا «العشاق تنين تنين» على موقف دارينا. كان الولد يشاغب على كل شيء، على نوتة أبيه، وبشاعة الحرب، وأفول الموهبة وشراء المثقفين من أنظمة البترودولار، شاغبَ حتى أضحك «صديقه الله»، الذي أخذه إليه بعدما غنى لكل قلب ما يشتهي.

التشييع اليوم: من الحمرا الى المحيدثة

يودع لبنان اليوم زياد الرحباني. صباحا، وعند الثامنة يتجمع الأصدقاء والرفاق أمام «مستشفى خوري» في الحمرا. ليصار بعدها الى الانتقال بالنعش نحو انطلياس، قبل الرحلة الاخيرة عند الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم نحو كنيسة «رقاد السيدة – المعلقة» (بكفيا)، ويوارى الجثمان في مدافن العائلة.

تقبل التعازي قبل الدفن وبعده في صالون الكنيسة ابتداءً من الساعة الحادية عشرة قبل الظهر حتى الساعة السادسة مساءً ــ كما تقبل التعازي غداً في صالون الكنيسة من الساعة الحادية عشرة قبل الظهر حتى الساعة السادسة مساءً.

شارك الخبر

مباشر مباشر

11:44 pm

الجيش الإسرائيلي نفذ تفجيراً في كفرتبنيت

11:44 pm

إسرائيل تعتقل مرشحا للكونغرس الأميركي أثناء قطف الزيتون في الضفة الغربية

11:43 pm

مصدران رسميان ليبيان لرويترز: تحرير رهينتين من النمسا وسويسرا بعد أكثر من 18 شهرا في النيجر ووصولهما إلى مدينة بنغازي الليبية

11:23 pm

العُثور على جثة شخص مقتول في خراج جدرا

11:03 pm

ترامب: أصبحنا أقرب من أي وقت مضى من إنهاء الحرب في أوكرانيا

10:47 pm

الرياضي بيروت بطل دورة شباب الأهلي الدوليّة لكرة السلّة بعد فوزه على النادي الأنطونية في المباراة النهائية

10:31 pm

مصدر دبلوماسي لفرانس برس: السفارة الأميركية في الرياض تطلب من جميع الموظفين الأميركيين وعائلاتهم مغادرة السعودية

10:23 pm

زيلينسكي: كييف تؤيّد عقد اجتماع أميركي أوكراني روسي “في أقرب وقت”

10:12 pm

قصف مدفعي يستهدف اطراف زوطر الشرقية – ميفدون ووادي السلوقي

09:50 pm

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على مكتب محاماة باليونان وبنما لمساعدته قطاع الشحن الإيراني

09:35 pm

وكالة فارس الإيرانية: دوي انفجارات في مدينة سيريك ولا تزال طبيعتها ومصدرها مجهولين

09:30 pm

قوى الامن تحذر: معك مخفر حبيش…هيك ببلش الإحتيال انتبهوا

08:59 pm

غارة استهدفت حداثا

08:38 pm

اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية يعلن تضامنه مع بلدية حارة حريك ويستنكر حملات الافتراء والتضليل

08:34 pm

عراقجي: مستعدون لإعطاء الدبلوماسية فرصة أخرى إذا رأينا دليلا على رغبة أميركية صادقة في التوصل إلى حل عادل

08:28 pm

غارة إسرائيلية على منطقة وادي السلوقي في جنوب لبنان

08:21 pm

غارة تستهدف بلدة القنطرة

08:13 pm

محافظ النبطيّة محمد هزيمة يعلن عزوفه عن تولّي منصبه

08:07 pm

غارة تستهدف وادي الحجير

07:49 pm

وزارة الخزانة الأميركية: الولايات المتحدة تفرض عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

07:32 pm

غادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرياض مع الوفد المرافق له

07:25 pm

تمشيط معاد باتجاه بيت ياحون

07:14 pm

نصار خلال افتتاح ندوة “مؤسسة لقمان سليم” في وزارة العدل: القضاء يتحمل أثقالاً كبرى ولا نسيان ولا مساومة على المحاسبة

07:05 pm

الجيش يوقف رئيس عصابة سرقة و6 مواطنين بجرائم إطلاق النار وحيازة أسلحة والتورط في إشكالات

06:49 pm

التلفزيون الإيراني: رئيس البرلمان التقى المرشد الأعلى وبحث معه مستجدات الحرب العسكرية والاقتصادية على البلاد

06:46 pm

“رويترز” عن مسؤول أميركي: الروس قبلوا مقترحاً أميركياً لعقد اجتماع ثلاثي يضم أوكرانيا

06:36 pm

السيسي: الجهد العسكري المصري لا يمتد إلى خارج حدود مصر أو أي دولة شقيقة تكون مصر حريصة على أمنها واستقرارها

06:21 pm

آيزنكوت يرفض تولّي منصب وزاري في حكومة يقودها نتنياهو

05:56 pm

نتنياهو: لا سبيل لإزالة التهديد النووي الإيراني إلا بإسقاط النظام

05:55 pm

كاتس: سنستهدف البنية التحتية لحزب الله في الضاحية إذا انضم لإيران في أي هجوم ضدنا

05:49 pm

تاس عن مساعد الرئيس الروسي: الصراع في أوكرانيا يقترب من نهايته

05:38 pm

أهالي علما الشعب توجهوا الى بلدتهم المحتلة…لقطاف الزيتون!

05:33 pm

الحجار عرض في الدوحة التحديات التي يواجهها لبنان والتشديد على أهمية دعم المؤسسات الأمنية وتعزيز قدراتها

05:25 pm

هبة طوجي تحيي حفلًا غنائيًا في مهرجان الفسطاط

05:23 pm

الاتحاد الأوروبي يطالب شركة “سبيس إكس” باستعادة خدمات ستارلينك بالكامل وبشكل عاجل في أوكرانيا

05:18 pm

دميترييف: اجتماع بوتين وويتكوف “مثمر للغاية”

05:15 pm

تدابير سير في محلة جسر فؤاد شهاب لتمديد كابلات ألياف ضوئيّة عائدة لوزارة الاتّصالات…بدءا من هذا اليوم!

05:14 pm

“وول ستريت” تفتح على ارتفاع

05:09 pm

مجموعة CMA CGM تعزّز صادرات التفاح اللبناني إلى مصر وليبيا والسعودية بأسعار شحن تفضيلية

05:03 pm

رابطة متفرغي اللبنانية: لإقرار الملف بشفافية وبما يصون التوازن الوطني وميثاق العيش المشترك