في الوقت الذي دخلت فيه المفاوضات بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية في واشنطن مرحلة جديدة، بعد الإعلان الأميركي عن وقف لإطلاق النار، واستكمال البحث في ترتيبات أمنية وسياسية أوسع، تتقاطع التحرّكات المصرية والسعودية والفرنسية حول هدف واحد: منع انهيار الاستقرار اللبناني، وانزلاق ملف سلاح حزب الله إلى مواجهة داخلية تُهدّد وحدة البلاد.
غير أنّ ما يجري حتى الآن لا يرقى إلى مبادرة ثلاثية موحّدة ومعلنة، بل إلى شبكة متوازية من الاتصالات والضغوط الديبلوماسية والتفاهمات، التي تسعى إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
وتشير مصادر ديبلوماسية عربية وغربية إلى أنّ الطرح المصري الذي تطوّر خلال الأشهر الأخيرة، يرتكز على مبدأ «الاحتواء التدريجي للسلاح» ، بدلاً من نزعه بالقوة أو ضمن مهلة زمنية ضيّقة. ويقوم هذا التصوّر على تثبيت وقف النار أولاً، ثم تعزيز سلطة الدولة والجيش، وفتح حوار لبناني داخلي حول استراتيجية الدفاع الوطني، بما يمنع انتقال ملف السلاح إلى الشارع أو تحوّله إلى صدام داخلي. وتعتبر القاهرة أنّ أي محاولة لفرض حلّ سريع، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتعيد إنتاج الانقسامات اللبنانية القديمة.
أمّا السعودية فتتحرّك، وفق المصادر، من زاوية مختلفة ولكنها متقاطعة مع الهدف نفسه. فالمملكة تركّز منذ أشهر على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتطبيق اتفاق الطائف، باعتباره الإطار الدستوري الوحيد القادر على حماية التوازنات الداخلية. وتؤكّد من خلال اتصالاتها مع الرؤساء الثلاثة ، على ضرورة أن يكون أي اتفاق لوقف النار مقروناً بضمانات واضحة، تمنع تجدّد العمليات العسكرية من الجانب اللبناني، وهو ما يُفسّر الاهتمام بالحصول على التزام من رئيس مجلس النواب نبيه برّي، بوصفه قناة التواصل الأساسية مع حزب الله. وقد برزت في الأيام الأخيرة معلومات عن دور برّي في تقديم ضمانات تتعلّق بالتزام الحزب بأي وقف شامل ومتبادل لإطلاق النار.
في المقابل، تتحرّك فرنسا على خط موازٍ يؤسّس لحماية التسوية الداخلية ومنع انهيار المؤسسات، إلى جانب ضمان بقاء قوة دولية على الحدود الجنوبية تخلف “اليونيفيل “. ويعكس وجود الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان في بيروت اليوم، استمرار الرهان الفرنسي على الحلّ التفاوضي. وقد شدّد لودريان سابقاً على أنّ معالجة مسألة سلاح حزب الله، لا يمكن أن تتمّ تحت القصف أو عبر فرض وقائع بالقوة، بل من خلال مسار تفاوضي تدريجي، يراعي التوازنات اللبنانية ويجنّب البلاد خطر الحرب الأهلية.
وتتلاقى باريس والرياض والقاهرة على مجموعة ثوابت أساسية، على ما توضح المصادر، تتمثّل بدعم الدولة اللبنانية والجيش، تثبيت وقف النار، منع الاقتتال الداخلي، الحفاظ على اتفاق الطائف، وتكريس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة على مراحل، وليس عبر مواجهة مباشرة. كما تدعم هذه الدول المسار التفاوضي القائم، شرط أن يؤدّي إلى وقف الاعتداءات “الإسرائيلية” بشكل شامل، وإلى ترتيبات أمنية قابلة للتطبيق في الجنوب.