كما كان متوقعا، سقطت الحكومة الفرنسية برئاسة فرنسوا بايرو بعد أن صوّتت أكثرية أعضاء المجلس النيابي الاثنين ضد منحها الثقة. وبذلك تعود الكرة مجددا إلى ملعب رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، الذي بات مطالبا بتحديد الخطوة التالية لملء الفراغ الحكومي، في وقت يخيم شبح أزمة سياسية على البلاد بعد سقوط أربع حكومات خلال ثلاث سنوات فقط. وهنا يطرح السؤال نفسه: من يتولى إدارة شؤون البلاد في هذه المرحلة؟ وما هي الخيارات الدستورية المتاحة أمام ماكرون؟
يفرض الدستور الفرنسي على رئيس الوزراء الذي خسر تصويت الثقة أن يقدم استقالته إلى رئيس الجمهورية، ووفقا لمعلومات الصحافة الفرنسية فإن بايرو سيقدمها إلى ماكرون يوم الثلاثاء.
يحق لرئيس الجمهورية أن يطلب من الوزراء البقاء موقّتا في مناصبهم من أجل تصريف الأعمال وضمان استمرارية المرافق العامة. وقد عرفت فرنسا هذا الوضع بالفعل بين تموز وأيلول 2024 عقب استقالة حكومة غابرييل أتال.
يُذكر أنه لا يوجد نص قانوني يحدد بشكل دقيق ما يجوز أو لا يجوز للحكومة المستقيلة القيام به، إذ تستند في ممارساتها إلى الأعراف والتقاليد الدستورية والاجتهادات القضائية الإدارية.
ويمتلك الرئيس سلطة دستورية كاملة لتعيين من يشاء ومتى يشاء ليخلف فرانسوا بايرو، فهو غير ملزم بأي جدول زمني لتسمية رئيس الحكومة الجديد.
غير أن العديد من المراقبين يحذرون من أن إطالة هذه المرحلة قد تحمل تداعيات سلبية على الاقتصاد الفرنسي، ولا سيما في ظل أزمة الديون، إذ تثير حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين الذين يفضلون وجود رئيس حكومة يمتلك صلاحيات كاملة لاتخاذ قرارات تتجاوز مجرد تصريف الأعمال، خصوصا أن حكومة مستقيلة لا تستطيع تقديم مشروع موازنة للتصويت عليه في البرلمان.
لكن إذا اختار الرئيس تعيين رئيس وزراء جديد، فإنه يجب أن يضمن حصوله على دعم كاف من المجلس النيابي لتجنب سقوط حكومته مجددا. وهذه المهمة ليست سهلة، نظرًا للانقسامات التي تشهدها الجمعية الوطنية وغياب أي غالبية مطلقة لأي فريق سياسي.
كما يمكن لماكرون تعيين رئيس وزراء يتمتع بأغلبية نسبية، أي من تحالف يشكل أكبر كتلة في الجمعية الوطنية، لكنه لا يحوذ على دعم نصف البرلمان. وفي هذه الحالة، سيتعين عليه المناورة باستمرار والتفاوض بشكل دوري لتجنب حجب الثقة.
أما الخيار الدستوري الثاني للرئيس فيتمثّل في حل المجلس النيابي والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة على أمل أن تسفر عن أغلبية واضحة. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس لا يحق له حل المجلس قبل مرور سنة على آخر انتخابات تشريعية، علما بأن آخر انتخابات شهدتها فرنسا كانت قبل نحو سنة وشهرين.
ويُذكر أن الدستور الفرنسي لا يفرض على الرئيس اختيار شخص ينتمي إلى الكتلة الحاصلة على الغالبية المطلقة في الانتخابات النيابية، إلا أن أي رئيس وزراء آخر يختاره الرئيس سيكون معرضا على الأرجح لتصويت حجب الثقة من البرلمان.
وكان عدد من الفرقاء السياسيين قد طالبوا ماكرون بالاستقالة وإجراء انتخابات رئاسية، لكنه استبعد هذا الخيار، مؤكدًا أنه سيبقى في منصبه حتى اللحظة الأخيرة.