بدأت ملامح العملية البرّية الإسرائيلية في جنوب لبنان تتّضح أكثر على امتداد المنطقة الحدودية، في القطاعات الغربي والأوسط والشرقي، مع اعتماد نمط عملياتي يقوم – حتى الآن – على الالتفاف حول البلدات والعقد العمرانية، وتجنّب التوغّل المباشر إلى داخل عدد من القرى، مقابل محاولة التثبيت في نقاط محدّدة ومرتفعات ذات قيمة إشرافية ونارية. ويشير ذلك إلى أن الهدف الإسرائيلي الحالي يدور حول محاولة عزل القرى الحدودية، وقطع خطوط إمدادها، وفرض وقائع ميدانية يمكن البناء عليها لاحقاً.
وبحسب مصادر ميدانية تحدثت إلى «الأخبار»، تنقسم التحرّكات الإسرائيلية إلى ثلاثة مسارات أساسية، موزّعة على القطاعات الجغرافية الثلاثة، كالتالي:
في القطاع الغربي، التفّت قوات الاحتلال الإسرائيلي على بلدات شمع وطيرحرفا والجبّين وشيحين، من دون تسجيل محاولات واضحة للدخول المباشر إليها، قبل أن تسلك مساراً وسطياً يُعرف باسم «إسكندرونا»، لتتمركز في البيّاضة، وتلتقط صورة توحي بتقدّم ميداني نوعي وعميق، علماً أن القرى والبلدات خلف البياضة، لا تزال بأيدي المقاومة وتتصدى لمحاولات العدو محاصرتها أو أحياناً اقتحامها. إلا أن تثبيت قوات العدو في البيّاضة، يرتبط أيضاً بالسعي إلى الاستفادة منها كمرتفع للإشراف على مدينة صور والسهول الممتدّة في محيطها.
أما في القطاع الأوسط، فقد دخلت القوات المعادية من جهة القوزح باتجاه بيت ليف، والتفّت عنها في اتجاه وادي العيون، وهو وادٍ يفصل بيت ليف عن صربّين. كذلك، لم تُسجَّل محاولة اقتحام لصربّين، إذ واصلت القوات تقدّمها نحو أطراف رشاف، لكنها تعرّضت للتصدّي عند مشارفها، ما اضطرها إلى العودة نحو وادي العيون، حيث لا تزال موجودة هناك حتى الآن. وفي بيت ليف، سُجّل وجود دبابة وجرافة على مقربة من الساحة، من دون أن يترافق ذلك مع دخول فعلي واسع إلى البلدة. ويُفهم من هذا المسار أن العدو، إذا واصل تقدّمه، يطمح إلى الوصول نحو حداثا، بما يتيح له قطع إمداد مدينة بنت جبيل والقرى الملاصقة لها من الجهة الغربية.
وفي الجهة المقابلة من القطاع الأوسط أيضاً، أي من ناحية عيترون، لم تدخل القوات الإسرائيلية البلدة مباشرة، بل التفّت حولها عبر وادي السكيكية، وهو مسلك يصل عيترون بوادي السلوقي – الحجير. كما حاول العدو، أمس، التقدم بين بلدتي عيترون وعيناثا باتجاه مرتفع تلة الفريز، حيث تعرّض لكمين معدّ مسبقاً، ما أجبره على التراجع وإخلاء الإصابات بالمروحيات. ويكشف هذا المسار أن العدو يحاول، في هذه المرحلة، العمل على عزل القرى واحتلال مرتفعاتها، تمهيداً لمحاولة خنق المجال الحيوي المحيط ببنت جبيل والبلدات الملاصقة لها، مثل عيناثا وعيترون وكونين وبيت ياحون والطيري وغيرها، وذلك عبر استهداف خطوط الإمداد الواصلة من قرى مثل شقرا ومجدل سلم وتبنين وحاريص، فضلاً عن خط وادي الحجير.
وفي القطاع الشرقي، تتركّز المحاولة الإسرائيلية حول الخيام، من جهتي الشرق والغرب، مع السعي إلى فتح خط باتجاه الوسط. إلا أن قوات العدو لم تتمكّن، حتى الآن، من التثبيت في هذا المحور، كما أن السيطرة على شمال الخيام، شرقاً وغرباً، لا تزال متعذّرة عليها. كذلك، بقيت خطوط الإمداد إلى الخيام متّصلة، وتتجدّد فيها الاشتباكات والاستهدافات. وفي هذا القطاع أيضاً، يسجّل مسار تقدّم أساسي، من جهة وادي هونين إلى رب ثلاثين ثم الطيبة والقرى المحيطة، حيث دارت وتدور مواجهات عنيفة، تكبّد العدو فيها خسائر فادحة حتى اليوم.
وعبر الربط بين ما يجري في القطاعين الأوسط والشرقي، يبدو أن المشهد الذي يطمح إليه جيش العدو يقوم على تحقيق وصل ميداني بين المحيسبات (مسار التقدّم في الطيبة) والحجير من جهة، ووادي السكيكية ووادي السلوقي (مسار التقدّم في عيترون) من جهة أخرى. وإذا تمكّن من ذلك، يمكن أن ينجح العدو بعدها في فصل الخط الذي يفصل بين النسق الأول والنسق الثاني من القرى، عبر السيطرة على الوادي الفاصل بين النسقين. وعندها يصبح الهدف المباشر هو قطع إمداد «جيوب المقاومة» التي ستبقى في القرى الحدودية، بحيث تصبح خلف خطوط العدو.