كتبت “الأخبار”: كثرت في الآونة الأخيرة الإشارات الأميركية، العلنية والسرية، إلى رغبة واشنطن في فتح قناة اتصال مباشرة مع حزب الله. ويستند الأميركيون في هذا المسعى إلى الأفكار التي طرحها السفير الأميركي في تركيا توم برّاك نهاية آب الماضي، حين شدّد على «ضرورة إشراك حزب الله وإيران في أي تسوية أو تفاوض مباشر، كونهما يمتلكان القرار الفعلي»، معتبراً أن «مجرد جمع الأطراف اللبنانية الأخرى حول الطاولة لا يحل المشكلة وحده».
ويعتقد الأميركيون أن تجربة الحوار المباشر مع حركة طالبان، ومع أنصار الله في اليمن، ومع بعض الفصائل العراقية، يمكن إسقاطها على حال حزب الله في لبنان. وتوجد بالفعل شخصيات وجهات داخلية تشجّع حزب الله على خوض تجربة التفاوض المباشر مع الأميركيين، انطلاقاً من أن «التواصل المباشر أفضل من الواسطة»، ويسهم في تخفيف التوتر وطرح مطالب الطرفين، و«يحقق نوعاً من التوازن الداخلي مع السلطة السياسية، ممثلةً برئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام»، ويحول بحسب المشجعين، دون عقدهما صفقات مع الأميركيين على حساب الحزب. كذلك، من شأنه تكريس حزب الله طرفاً سياسياً يمكن التفاوض معه، لا تنظيماً جهادياً معزولاً يستحيل التفاهم معه.
وتؤكد مصادر متابعة للملف أن رفض حزب الله التواصل المباشر مع الأميركيين في المرحلة الحالية، ينطلق من اعتبارات مختلفة تماماً، رغم تداول معلومات غير مؤكدة، عن لقاء مباشر بين الطرفين الشهر الماضي، من دون أدلّة تدعم هذه الرواية.
وبحسب المصادر، يتمثل الاعتبار الأول في عدم المسّ بالدور السياسي الذي يؤديه رئيس مجلس النواب نبيه بري في التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، ولا سيما مع الأميركيين الذين يحافظون على قناة اتصال منتظمة معه. وترى أن أي اتصال مباشر يجريه الحزب مع واشنطن قد يشوّش المسار الذي يتابعه بري منذ ما قبل اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، من دون أن تكون هناك ضمانة للحصول على نتائج تتجاوز ما يمكن لرئيس المجلس تحصيله.
أما الاعتبار الثاني، فيتصل بانعدام الثقة بالغاية التي تقف خلف رغبة الإدارة الأميركية في فتح حوار مع الحزب، ولا سيما عشية الانتخابات النصفية. سوى اهتمام الرئيس دونالد ترامب بالإعلان عن اتصالات وتفاهمات مع خصوم الولايات المتحدة لاستخدام ذلك إعلامياً في المعركة الانتخابية، أو حتى إصدار تصريحات بأن «حزب الله هو من يسعى إلى التفاوض معه وليس العكس».
وتضيف المصادر أن حزب الله لا يثق بنوايا الإدارة الأميركية، ولا يرى مؤشرات جدية إلى استعداد الإدارة الأميركية لاستخدام نفوذها لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان أو الضغط على إسرائيل للانسحاب من الجنوب، بينما قدمت الإدارة دعماً غير مسبوق للحكومة الإسرائيلية خلال الحرب، وهي تضغط في اتجاه نزع سلاحه من دون إلزام إسرائيل بتقديم تنازلات مقابلة، بل تساعدها على التنصل من التزاماتها السابقة، بما فيها تلك المرتبطة باتفاق الإطار، رغم أنه موقّع رسمياً مع الدولة اللبنانية وليس نتيجة تفاوض مباشر بين الحزب وواشنطن.
وتستند هذه النظرة أيضاً إلى تجارب حماس وإيران، إذ تقول المصادر إن الثقة بالإدارة الحالية معدومة، بسبب تراجعها في مناسبات عدة عن تفاهمات أبرمتها مع خصومها وحتى مع حلفائها. وترى أن ترامب يتعامل مع «الخداع السياسي» باعتباره أداة مشروعة في العمل الدولي، وهو ما يختلف عن نهج الإدارات الديمقراطية السابقة.
ويضاف إلى ذلك، بحسب المصادر، الانقسام داخل الإدارة الأميركية نفسها، والذي ظهر في المعارضة الحادة التي أبداها الفريق المحسوب على وزير الخارجية ماركو روبيو تجاه مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران نهاية حزيران الماضي. وترى أن هذا الانقسام قد ينعكس على أي تفاهم محتمل مع حزب الله، ويجعل الدخول في حوار جدي معه عرضةً للاعتراض من داخل الإدارة نفسها.
أما العامل الأخير، فيتعلق بغياب الضمانات الدولية لأي تفاوض مباشر بين حزب الله والأميركيين. فحتى الدور الباكستاني، الذي وفر وسيطاً مقبولاً وأسهم في التوصل إلى مذكرة إسلام آباد، لم يمنع إدارة ترامب من التراجع عن التزاماتها أو التلويح باستئناف الهجوم على إيران.
وبالمحصلة، تقول المصادر المتابعة للملف إن حزب الله لم يلمس حتى الآن أي نوايا أميركية لتقديم أي مكاسب من اللقاءات المباشرة، فيما يرى أن الإدارة الأميركية قد تكون معنية أكثر بتوظيف مجرد فتح قناة الاتصال سياسياً وإعلامياً في حملتها الانتخابية.