بينما يقف لبنان على مفترق طرق حاسم، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية جنوبًا وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية، تتجه الأنظار إلى باريس، حيث تستضيف فرنسا اجتماعًا ثلاثيًا يضمّ موفدين من الولايات المتحدة والسعودية، بمشاركة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل.
ويُمهِّد هذا الاجتماع لانعقاد مؤتمر دعم الجيش اللبناني، وهو لا يندرج ضمن الإطار البروتوكولي التقليدي، بل يُشكّل اختبارًا جدّيًّا لمدى استعداد الدولة اللبنانيّة للالتزام بشروط المجتمع الدولي، وفي مقدّمها حصر السلاح وتطبيق القرار 1701.
فرنسا، التي تقود هذه المساعي، تراهن على دور الجيش بوصفه المؤسّسة الوحيدة التي لا تزال متماسكة، فيما يبقى دعم واشنطن والرياض مرهونًا بترجمة التصريحات اللبنانيّة إلى خطوات موثّقة وميدانيّة، الأمر الذي قد يحسم مصير المؤتمر بين النجاح والفشل.
فمن باريس، أكد الصحافي والكاتب السياسي المتخصص بالشؤون الفرنسية تمام نور الدين أن ما يدفع فرنسا إلى تكثيف تحركها الدبلوماسي في الملف اللبناني هو شعورها بخطر داهم يهدد استقرار لبنان. وقال لـ”المدى”: أولًا، هناك اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، حيث دأب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على استعادة شعبيته من خلال الحروب، وفتح جبهات جديدة لتدمير خصومه في المنطقة.
ثانيًا، يشعر الفرنسيون بأن لبنان يفتقر اليوم إلى مظلة حماية أميركية واضحة. ففي سوريا، على سبيل المثال، حين حاول نتنياهو توجيه ضربات مباشرة كاستهداف وزارة الدفاع، تدخّلت واشنطن سريعًا وأوقفته. أما في لبنان، فالوضع مختلف تمامًا؛ إذ يبدو أن هناك إطلاق يد إسرائيليًا من دون وجود خطوط حمراء أميركية واضحة. وهذا ما يُثير قلق باريس ويدفعها إلى التحرك قبل فوات الأوان.
واعتبر نور الدين أن فرنسا اليوم هي الطرف الدولي الأكثر التزامًا بدعم الجيش اللبناني، والدليل أن كل المؤتمرات التي انعقدت لدعمه، حتى قبل وقف إطلاق النار، كانت برعاية أو بمبادرة فرنسية. فرنسا تدرك أن الجيش اللبناني هو آخر مؤسسة لا تزال قائمة على قدميها في بلد يعاني من انهيار شبه كامل في قطاعاته كافة، فلا مصارف تعمل بشكل طبيعي، ولا قطاع صحيا أو تعليميا فاعلا. لذلك، تنظر باريس إلى المؤسسة العسكرية كركيزة أساسية لإعادة بناء الدولة. فالجيش، إذا ما توفرت له المقومات، قادر على تنفيذ القرارات الدولية، وعلى رأسها حصر السلاح بيد الدولة، ما يجعله مؤهلاً ليكون نقطة الانطلاق نحو استعادة السيادة والنظام المؤسساتي.
ورأى نور الدين أن أهمية هذا الاجتماع تكمن في كونه يشكل “الميكانيزم” الأساسي لمقاربة ملف دعم الجيش اللبناني، وهو ليس اجتماعًا بروتوكوليًا أو تمهيديًا فقط، بل يحمل دلالات سياسية من الصف الأول. فالاجتماع يُعقد بمستوى رفيع: قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، والموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، إلى جانب الموفد الفرنسي جان إيف لودريان، ما يعكس أهمية الملف ودرجة الالتزام الدولي ببحثه. وأشار إلى أن هذا “الميكانيزم” يُعقد بدرجة أولى، بمستوى “رقم واحد”، وليس عبر ضباط أو ممثلين ثانويين.
ولفت إلى أن التنسيق الفرنسي–الأميركي–السعودي في هذا الملف هو على أعلى مستوى، وأن فرنسا تلعب دور الوسيط لإقناع الرياض وواشنطن بدعم الجيش، رغم وجود ملاحظات من الطرفين على مسألة حصر السلاح بيد الدولة.
وشدّد على أن فرنسا تطلب اليوم من لبنان الانتقال من مرحلة “الإعلان” أو التصريح (déclarative) إلى مرحلة “التوثيق” في ما يخص نزع السلاح جنوب الليطاني، بما يسحب الذرائع من يد إسرائيل، ويُعزّز مصداقية الجيش أمام المجتمع الدولي.
وقال نور الدين: لنكن صريحين، صحيح أن فرنسا هي من تُحضّر وتُنسّق وتبادر لجمع الأطراف المانحة، وأن السعودية هي الطرف الأهم في هذا المسار بسبب ثقلها المالي والسياسي، ومن تمون عليه الرياض، لكن هناك شرط أساسي لا يمكن تجاهله: ضرورة إظهار تقدم ملموس في ملف حصر السلاح.
فمن دون خطوات عملية وموثقة، لن يُعقد مؤتمر دعم الجيش، وإن عُقد فسيكون بلا نتائج حقيقية. لذلك، رأينا بعد زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان، والتي جاءت بعد نحو أسبوعين من زيارة مستشارة الرئيس ماكرون، أن قيادة الجيش نظّمت جولة ميدانية لحوالي 60 سفيرًا وممثل دولة إلى الجنوب. السفراء الأساسيون كانوا حاضرين، خاصة ممثلو السعودية وفرنسا، واطّلعوا ميدانيًا على ما أنجزه الجيش اللبناني في الجنوب، وهي خطوة تُعدّ بداية جدّية للانتقال من التصريحات إلى مرحلة التوثيق. فقد بدأ الجيش، خلال عملياته المشتركة مع اليونيفيل، بتوثيق تحركاته ومهماته عبر التصوير، وهو ما كانت تقوم به أيضًا القوات الفرنسية حين تكشف أنفاقًا أو مواقع تُخالف القرار 1701، حيث كانت تُصوّر وتنشر الصور، في إطار سحب الذرائع من يد إسرائيل، وتأكيد أن الجيش اللبناني واليونيفيل يطبّقان القرار الدولي.
وأكّد نور الدين أنّه لا دعمَ ماليًّا أو لوجستيًّا أو عسكريًّا (من سلاح وعتاد وغيره) للجيش اللبناني، ما لم يُلبَّ الشرطُ الدوليّ الأساسيّ المتعلّق بحصر السلاح أو نزعه — أيًّا تكن التسمية، فالمضمون واحد. فإذا لم يلتزم لبنان بهذا الشرط بوضوح وجدية، فلن يكون هناك تمويل فعلي، بل فقط دعم محدود أشبه بـ”أوكسيجين للبقاء”، أي بالحد الأدنى الضروري للاستمرار.
أما في ما يخص تجاوب الولايات المتحدة والسعودية مع الطرح الفرنسي، فأوضح نور الدين أن البلدين مستعدان للتجاوب والدعم، شرط أن يريا خطوات ملموسة على الأرض، أي الانتقال من التصريحات والوعود (الـ”Déclaratif”) إلى التوثيق الفعلي والتطبيق العملي، لأن الدعم الجدي يتطلب أدلة واضحة على التزام لبنان بما يُطلب منه دوليًا.