في خضم الانقسام السياسي الحاد، تعود الجلسة التشريعية إلى الواجهة مجددًا بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري يوم غد الخميس، لمتابعة مناقشة بنود جدول الأعمال المؤجل من جلسة 29 أيلول. جلسة تكتسب أهمية خاصة لكونها تتضمن قوانين ملحّة تمس شريحة واسعة من اللبنانيين، أبرزها تلك المتعلقة بالمساعدات الاجتماعية، والمرافق العامة، وإعادة الإعمار، في وقت يمر فيه لبنان بأزمة اقتصادية خانقة وانسداد سياسي طويل الأمد.
لكن هذه الضرورات تصطدم بشروط سياسية تضعها بعض الكتل، أبرزها تكتل “الجمهورية القوية” وحزب الكتائب، اللذان يربطان المشاركة بإدراج قانون يسمح للمغتربين بالاقتراع لكامل أعضاء مجلس النواب، وهو ما ترفضه أطراف أخرى ترى فيه محاولة “ليّ ذراع” وتسييساً للتشريع.
في ظل هذا المشهد، تبرز تساؤلات مشروعة: هل تتغلب الحاجة الملحّة إلى التشريع على الانقسام السياسي؟ هل ستُعقد الجلسة بنصابها الكامل؟ أم أن لعبة المقاطعة ستؤدي مجددًا إلى شلّ المجلس وإبقاء الملفات العاجلة رهينة التجاذبات؟ وهل يمكن فصل التشريع عن الملفات الخلافية الكبرى، أم أن كل قانون بات مرهونًا بتسوية شاملة؟
أسئلة تبقى معلّقة حتى يُقرع جرس الجلسة… أو يُرفع مجددًا بسبب غياب النصاب.
ففيما أعلنت كتلة نواب الكتائب عدم مشاركتها ما لم يُدرج بند اقتراع غير المقيمين لـ128 نائبًا، وأكد تكتل “الجمهورية القوية” مقاطعته الجلسة رفضًا لما يصفه بـ”تجاوز بري لصلاحياته والنظام الداخلي”، علمت “المدى” أن “تحالف التغيير” الذي يضم النواب مارك ضو، وضاح الصادق، وميشال الدويهي، سيصدر بيانا اليوم يعلن فيه مقاطعة الجلسة “لعدم تبدّل شيء في الوضع”.
“الاعتدال الوطني”
تكتل “الاعتدال الوطني”، الذي يضم النواب أحمد الخير، وليد البعريني، محمد سليمان، سجيع عطية، عبد العزيز الصمد، وأحمد رستم، يعقد اجتماعًا عند الثالثة من بعد ظهر اليوم في مقره في الصيفي، لبحث مسألة المشاركة من عدمها.
وبحسب معلومات “المدى”، يرى بعض الأعضاء أن جدول الأعمال يتضمن قوانين “مهمة وحيوية للمواطنين”، لكن الموقف النهائي لم يُحسم بعد، في انتظار التشاور مع جميع أعضاء التكتل، لا سيما أن من بينهم نوابًا سنّة قد يشكّلون “بيضة القبان” في ترجيح كفة الحضور أو المقاطعة.
وشدّدت مصادر التكتل على أن القرار سيكون جماعيًا وموحّدًا: “فإما يشارك الجميع أو يقاطع الجميع”، نافية في الوقت نفسه أن تكون دعوة بري للجلسة بمثابة رسالة تحدّ، بل اعتبرتها استمرارًا لمحاولاته المعتادة لعقد جلسات تشريعية.
كما نفت المصادر وجود أي تنسيق حالي مع كتل نيابية أخرى بخصوص هذه الجلسة.
“اللقاء النيابي المستقل”
وذكّر عضو “اللقاء النيابي المستقل” النائب عماد الحوت بأن اللقاء ناقش في وقت سابق مبدأ الحضور أو المقاطعة للجلسة التشريعية، وترك حرية القرار لكل عضو لاتخاذ الموقف الذي يراه مناسبًا.
وقال الحوت لـ”المدى”: “شاركت في الجلسة الماضية لأن جدول الأعمال تضمّن قوانين مهمة تصب في مصلحة المواطن، منها ما يتعلق بمطار القليعات، وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى قضايا أخرى متعددة”.
وأكد احترامه لمطلب اقتراع المغتربين وأهميته، لكنه شدد في المقابل على أن “المغترب مواطن، والمقيم أيضًا مواطن، ولا يمكنني أن أُغلّب فئة على حساب أخرى”، مشيرًا إلى أن “الواجب النيابي يُحتّم الحضور والمشاركة في النقاش والتشريع، بما يحقق مصلحة الناس”. وأوضح أن “اللقاء النيابي المستقل” سيستمر في مناقشة موقفه النهائي حتى موعد الجلسة، مع ترجيح كفة المشاركة، مضيفًا: “أنا شخصيًا سأشارك، لأن التعطيل لا يمكن أن يكون مبدأ”.
“التوافق الوطني”
أما بالنسبة إلى تكتل “التوافق الوطني”، الذي يضم النواب فيصل كرامي، حسن مراد، عدنان الطرابلسي، محمد يحيى، وطه ناجي، فقد علمت “المدى” أن التوجّه العام داخله يميل إلى المشاركة في الجلسة، خاصة أن البنود المدرجة على جدول الأعمال تُعدّ ملحّة وتتطلّب النقاش والتشريع.
ورأى كرامي أنه لا يوجد أي مبرّر لوقف التشريع، معتبرًا أن “الإصلاحات تحتاج إلى مجلس نواب فعّال”. وأشار إلى أن القرار النهائي بشأن المشاركة سيتّخذ مساء اليوم بعد استكمال التشاور بين أعضاء التكتل.
“اللقاء الديموقراطي”
بدوره، يعقد “اللقاء الديمقراطي” اجتماعًا اليوم لمناقشة جدول أعماله، ومن ضمنه الجلسة التشريعية. وقال النائب بلال عبدالله لـ”المدى” إن “اللقاء”، وكما جرت العادة، لن يغيب عن التشريع، مشددًا على أن الكتلة لا تمارس تعطيل المؤسسات الدستورية، مع احترامها لحق الآخرين في اتخاذ موقف المقاطعة، باعتباره خيارًا ديمقراطيًا مشروعًا.
وأشار إلى أن البنود المدرجة على جدول الأعمال سبق أن نوقشت وأُقرّ بعضها في الجلسة السابقة، ويُفترض تصديقها الآن، مؤكدًا أنها “حيوية جدًا للبنان”، لا سيما تلك المتعلقة بالقروض المقرّرة من البنك الدولي، والتي تلامس قيمتها نصف مليار دولار. وحذّر من أن عدم إقرارها قبل نهاية العام قد يوجّه رسالة سلبية تعرّض علاقة لبنان مع المؤسسة الدولية الوحيدة التي لا تزال تقدّم قروضًا للبنى التحتية، خصوصًا في ظل ما دمّرته الحرب الأخيرة مع العدو الإسرائيلي. كما لفت إلى أهمية مشروع مطار القليعات، الذي “يناضل من أجله وزير الأشغال”، والذي يتطلب تصديق قانون تعديل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يشكل عامل جذب للمستثمرين العرب والأجانب المهتمين بالمشاركة فيه.
وختم عبدالله بالدعوة إلى تأمين النصاب لإقرار القوانين بالحد الأدنى، مؤكدًا ضرورة تخصيص حيز مستقبلي لمتابعة الحوار حول قانون الانتخابات النيابية.
“لبنان القوي”
وبالنسبة الى تكتل “لبنان القوي” فقد أكد النائب جورج عطالله، لـ”المدى” المشاركة المبدئية في جلسة الغد، مشددًا على أن موقف التكتل واضح لجهة ضرورة استكمال الجلسة التشريعية التي تم تطيير نصابها سابقًا، نظرًا لوجود اقتراحات ومشاريع قوانين أساسية تم إقرار جزء منها، ولا يمكن أن تصبح نافذة من دون اختتام الجلسة.
“التنمية والتحرير”
في غضون ذلك، أكد عضو كتلة “التنمية والتحرير” النائب محمد خواجة أن البنود المدرجة على جدول أعمال الجلسة التشريعية قد نوقش بعضها في جلسات سابقة، فيما لا يزال جزء آخر ينتظر النقاش، مشددًا على أن جميعها بنود ملحّة تتصل بالمرافق العامة، والإعمار، والمساعدات الشهرية للمتقاعدين.
وقال خواجة لـ”المدى” إن مقاطعة الجلسة تُلحق ضررًا مباشرًا بشرائح واسعة من اللبنانيين، محذرًا من خطورة هذا النهج، ومؤكدًا أن “الخلاف السياسي، مهما اشتدّ، لا يبرّر تعطيل التشريع، لأنه واجب دستوري لا يسقط تحت أي ذريعة”. ودعا زملاءه النواب إلى حضور جلسة الغد، “للقيام بواجبنا وإنهاء الجلسة التي بدأ نقاشها منذ نحو ثلاثة أشهر”، مشددًا على أن “من يعمل على تعطيل النصاب سيتحمل كامل المسؤولية أمام الشعب، خصوصًا الفئات المتضررة من تأجيل هذه القوانين”.
وهل يرى المقاطعة محاولة من الفريق الآخر لـ”ليّ ذراع” بري، قال: “الرئيس نبيه بري لا يعمل عند أحد، وهم أدرى الناس بذلك. لم يخضع يومًا لضغوط دول كبرى، فهل سيخضع لضغوط داخلية؟ بالتأكيد لا”.
وشدّد على أن لبنان، بتوازناته الدقيقة والهشة، لا يحتمل منطق كسر الإرادات، ولا يجوز لأي طرف أن يتصرف وكأن بإمكانه فرض إرادته على الجميع. واعتبر أن “القوات اللبنانية ومن معها يتوهّمون أن بإمكانهم توظيف تداعيات الحرب الإسرائيلية والتغيّرات الإقليمية لفرض معادلات داخلية جديدة”، محذّرًا من أن “أي محاولة لاستحضار قوة الخارج إلى الداخل، لم تجلب للبنان تاريخيًا سوى الأزمات والانهيارات”.
وأضاف: “لبنان يرزح تحت أعباء اقتصادية واجتماعية كبيرة، ولا يحتمل أزمة إضافية تُفتعل تحت عناوين ظاهرها ديمقراطي، وباطنها سياسي بامتياز”.
وأكد خواجة أن بري “يمارس صلاحياته الدستورية بدعوة المجلس إلى الانعقاد لمناقشة قوانين ملحّة تمسّ المصلحة العامة”، مشيرًا إلى أن من يقرر المقاطعة عليه أن يتحمّل مسؤولية تعطيل مصالح الناس، لا سيما الشرائح الاجتماعية المتأثرة مباشرة بتأجيل هذه القوانين.
وختم بالقول: “ليس من الضروري أن يُربط كل استحقاق تشريعي بطاولة حوار أو تسوية سياسية. النواب مؤتمنون على أصوات المواطنين، وهذه أمانة لا يجوز التفريط بها. من يجمّد القوانين لا يضر الرئيس بري أو المجلس، بل يضر الشعب اللبناني أولًا وأخيرًا”.