تفتح المحادثات السرّية بين الحكومة السورية وحزب الله في تركيا، والتي كشفت عنها وكالة «رويترز»، قبل أن تنفي أنقرة ودمشق لاحقًا حصولها، بابًا جديدًا في العلاقة بين دمشق والحزب، بعد مرحلة من التوتر أعقبت سقوط النظام السوري السابق. وبينما بقيت تفاصيل اللقاء بعيدة عن الأضواء، برز الدور التركي في جمع الطرفين واحتواء الخلافات بينهما، في خطوة تطرح تساؤلات حول أهداف أنقرة وحدود دورها في هذا المسار.
التحرك التركي يأتي في مرحلة تشهد إعادة ترتيب للعلاقات والتوازنات الإقليمية، فيما غابت إيران، الحليف الأساسي لحزب الله، عن الاجتماع المباشر، رغم علمها بمشاركة الحزب، وفقًا لما أوردته الوكالة.
فهل تكتفي تركيا بدور الوسيط لخفض التوتر بين دمشق وحزب الله، أم أنها تسعى إلى فتح صفحة جديدة بين الطرفين وترسيخ موقعها كقناة أساسية للحوار في المنطقة؟ وهل يمكن أن يتطور هذا المسار لاحقًا ليشمل حوارًا بين طهران ودمشق؟
من اسطنبول، أشار المحلل السياسي التركي جواد غوك، إلى أن الحكومة التركية استضافت، قبل أشهر، قيادات من حزب الله في أنقرة، وشهدت تلك اللقاءات نقاشات بنّاءة بين الجانبين. ورغم أن العلاقة بين حزب الله وتركيا ليست إيجابية، فإن أنقرة تحاول إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الحزب، في إطار مقاربتها الأوسع للملفات الإقليمية.
وقال: وفي موازاة ذلك، بدأ يتشكل مسار تواصل بين دمشق وحزب الله، خصوصًا في ظل التطورات التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق. وهنا لا يمكن تجاهل الموقف الذي عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكان أن تتولى سوريا التعامل مع حزب الله في لبنان، معتبرًا أن الرئيس أحمد الشرع يمكن أن يتعامل مع الحزب بطريقة مختلفة وأكثر دقة من إسرائيل. وقد رفض الشرع هذا التوجه، مؤكدًا أن سوريا لا تريد التدخل عسكريًا في لبنان. وهذا الموقف كان، في تقديري، موضع ارتياح لدى حزب الله، وأمينه العام الشيخ نعيم قاسم.
وأبدى غوك اعتقاده بأن تركيا تحاول استثمار هذا التقاطع وفتح صفحة جديدة في العلاقة بين دمشق وحزب الله، انطلاقًا من وجود مصلحة مشتركة في تجنب صدام مباشر بين الطرفين، إلى جانب ما يصفه بوجود عدو مشترك هو إسرائيل. ولذلك، تسعى أنقرة إلى جمع دمشق وحزب الله إلى طاولة واحدة وفتح قناة للحوار بينهما.
وبالتالي، فإن الدور التركي لا يبدو، في تقديره، مجرد وساطة عابرة لاحتواء توتر ظرفي، بل محاولة لفتح مسار جديد بين دمشق وحزب الله، وربما إعادة ترتيب بعض التوازنات الأمنية والسياسية المرتبطة بسوريا ولبنان. ويعتبر غوك أن هذا هو جوهر التحرك التركي في هذه المرحلة.
وعما يدفع تركيا إلى الاضطلاع بهذا الدور في هذا التوقيت؟ أجاب غوك: تنطلق تركيا أولًا من رغبتها في الحفاظ على سوريا موحدة وقوية ومستقرة. ومن وجهة النظر التركية، يتطلب ذلك ألا تتحول دمشق إلى طرف في الصراعات الداخلية اللبنانية، لأن أي تدخل سوري في لبنان قد يفتح الباب أمام اشتباكات ذات طابع طائفي ومذهبي، ويوسّع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة.
لذلك، تحاول أنقرة الدفع باتجاه عدم انخراط دمشق عسكريًا في الملف اللبناني، خصوصًا في ظل الضغوط التي مورست على الحكومة السورية للقيام بدور في مواجهة حزب الله. في المقابل، من مصلحة تركيا أن يبقى الخلاف بين دمشق والحزب ضمن إطار سياسي وأمني يمكن احتواؤه، بدل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة.
من هنا يأتي الدور التركي في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات تواصل بين الطرفين، بما يسمح بمعالجة الملفات الأمنية العالقة عبر الحوار، ويحدّ من احتمالات انزلاق العلاقة بين دمشق وحزب الله إلى مواجهة مباشرة.
كما يرى غوك أن لهذا المسار بُعدًا إيرانيًا أيضًا، إذ تخشى طهران أن يجد حزب الله نفسه تحت ضغوط من أكثر من جهة في الوقت نفسه، سواء من إسرائيل أو سوريا. ومن هنا، فإن تجنب فتح جبهة إضافية مع دمشق يصب، في تقديره، في مصلحة إيران وحزب الله معًا. وعليه، يمكن قراءة التحرك التركي باعتباره جزءًا من مسعى أوسع لاحتواء التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة بين الطرفين.
وفي هذا الإطار، كشف غوك أن الاجتماع عُقد خلال الشهر الماضي، بمشاركة قياديين من حزب الله ومسؤولين في الاستخبارات السورية، مشيرًا إلى أنه كان إيجابيًا وحقق تقدمًا في عدد من الملفات الأمنية. وقال إن المعلومات التي وصلته من جانب حزب الله تفيد بأن من أبرز النقاط الإيجابية تمثلت في تأكيد الجانب السوري عدم التدخل عسكريًا في الشؤون الداخلية اللبنانية، وهو ما اعتبره الحزب نقطة مهمة في النقاشات.
وأضاف أن مسؤولين في وزارة الخارجية التركية شاركوا في الإشراف على هذا المسار، لافتًا إلى أن عقد الاجتماع سبقه تواصل وموافقات من الجانبين السوري وحزب الله، قبل أن تضطلع تركيا بدور أساسي في جمع الطرفين وتسهيل التواصل بينهما.
ورأى غوك أن أهمية الاجتماع لا تقتصر على انعقاده، بل تكمن أيضًا في إتاحة المجال أمام دمشق وحزب الله لبحث هواجسهما الأمنية بصورة مباشرة، معتبرًا أن ذلك قد يمهّد لاستكمال الاتصالات وتوسيعها تدريجيًا خلال المرحلة المقبلة.
وأكد أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بإبقاء الخلاف بين دمشق وحزب الله ضمن إطار الحوار، محذرًا من أن تحوله إلى مواجهة عسكرية قد تتجاوز تداعياتها البلدين، وتفتح الباب أمام توترات إقليمية أوسع.
وعن دلالة غياب إيران عن اللقاء؟ أجاب غوك: أعتقد أن تركيا لا تريد أن تكون طهران طرفًا مباشرًا في هذا المسار في هذه المرحلة، لكن ذلك لا يعني رغبة أنقرة في إبعادها نهائيًا عن الملف. فعلى العكس، تدرك تركيا أن أي تسوية مستدامة في المنطقة لا يمكن أن تتجاهل الدور الإيراني، ولا سيما أن إيران هي الحليف الأساسي لحزب الله.
وبحسب المعطيات المتوافرة، كان حزب الله على علم بموقف إيران من هذا المسار، فيما لم تشارك طهران بصورة مباشرة في الاجتماع. وأعتقد أن ذلك يعكس رغبة تركية في منح دمشق وحزب الله مساحة لفتح حوار مباشر بينهما، بعيدًا عن تعدد الأطراف وتداخلها منذ البداية.
وفي الوقت نفسه، أعتقد أن تركيا تريد، في مرحلة لاحقة، فتح حوار مباشر بين طهران ودمشق أيضًا، لكن هذه الخطوة تحتاج إلى بعض الوقت، لأن العلاقة بين إيران وسوريا خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد التغيير الذي حصل في دمشق، ليست ملفًا يمكن تجاوزه بسرعة. لذلك، من الطبيعي أن يبدأ المسار بصورة تدريجية، عبر قنوات متعددة، قبل الانتقال إلى مستوى أوسع من الحوار.
أما بالنسبة إلى الدور التركي، فأعتقد أن أنقرة تريد أن تكون طرفًا أساسيًا في هذا المسار، مستفيدة من علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة، ومن قنوات التواصل التي تحاول الحفاظ عليها مع مختلف الأطراف الإقليمية. ومن هذا المنطلق، ترى تركيا نفسها قادرة على جمع أطراف لا تتحدث مباشرة مع بعضها البعض، وهو ما ظهر في دفعها باتجاه الحوار بين دمشق وحزب الله».
ولم يرَ غوك أن غياب إيران عن الاجتماع يعني نهاية دورها أو محاولة لإقصائها من المشهد، بل اعتبر أن الأمر يرتبط بمرحلة أولى من الحوار تسعى تركيا من خلالها إلى فتح مسار جديد بين دمشق وحزب الله. وأضاف أنه إذا نجح هذا المسار، فقد ينتقل لاحقًا إلى ترتيبات أوسع تشمل أطرافًا أخرى، وفي مقدمتها إيران.
ويرى غوك أن هذا الدور ينسجم مع النهج الذي تتبعه تركيا في عدد من الملفات الإقليمية، حيث تسعى إلى تقديم نفسها كقناة للحوار بين أطراف متباعدة، معتبرًا أن أنقرة ترى في هذا المسار فرصة للحفاظ على استقرار سوريا ومنع انتقال التوتر إلى لبنان، إلى جانب تعزيز حضورها كطرف إقليمي قادر على إدارة قنوات التواصل بين القوى المتخاصمة.