على وقع التطورات المتسارعة في الجنوب اللبناني، تبدو المنطقة أمام مرحلة ميدانية مختلفة، تتجاوز حدود العمليات العسكرية لتفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل البلدات الجنوبية وترتيبات المرحلة المقبلة. وفي هذا المشهد، تتقدم المنصوري إلى الواجهة بعد تلة علي الطاهر، بعدما باتت محوراً للتحركات العسكرية الإسرائيلية، في وقت يتسع فيه حجم الدمار وتتعمّق أزمة الأهالي الذين اضطروا إلى مغادرتها.
رئيس بلدية المنصوري حيدر مديحلي أوضح أن البلدة تتعرض للقصف منذ فترة طويلة، قبل استهداف تلة علي الطاهر وبعده، عبر الغارات الجوية والقصف المدفعي، إضافة إلى إحراق المنازل. ووصف ما يجري فيها بأنه «كارثة حقيقية ومجزرة»، مؤكدًا أن «لم يُترك شيء تقريبًا»، بعدما طاول الدمار المنازل والأشجار والبنى التحتية والمرافق الأساسية.
وفي ما يتعلق بالحديث عن قطع التواصل بين المنصوري ومدينة صور، أوضح مديحلي أن البلدة لم تكن ضمن ما يُسمّى «الخط الأصفر»، مضيفًا: «لا أعتقد أننا سنصل إلى مرحلة قطع التواصل بينها وبين صور، لأن هذا الأمر يبدو صعبًا».
وعن تذرّع العدو بأن تدمير البلدة يهدف إلى منع عودة حزب الله إليها، أكد مديحلي أن الحزب لم يكن موجودًا فيها، ولم تكن هناك مجموعات مقاتلة ظاهرة داخل البلدة، مشيرًا إلى أن الجيش اللبناني كان ينتشر على الطريق وفي المداخل، وكذلك في المرتفعات المحيطة بالمنصوري. وأضاف أن الجيش والأهالي بقوا داخل البلدة إلى أن وُجّه إليهم إنذار إسرائيلي اضطروا على إثره إلى المغادرة، فيما يستمر القصف والتدمير بعد خروجهم. وتساءل مديحلي: «فماذا بقي من البلدة أكثر مما تعرّض له»؟، معتبرًا أن حجم الدمار الذي طالها «لم تشهده، برأيي، بلدة أخرى».
وقال إن «الوضع صعب جدًا»، موضحًا أن عمليات التدمير مستمرة منذ أكثر من شهر ونصف، وأن الحديث عن عملية عسكرية طويلة يعني مزيدًا من الأضرار لبلدة دُمّر معظمها بالفعل.
وأوضح مديحلي أن العدو لم يكن موجودا داخل المنصوري في البداية، وإنما دخل إليها من جهة مجدل زون، فيما كانت البلدة خارج ما يُسمّى «الخط الأصفر». وأضاف أنه فور دخوله، تحركت البلدية ونظمت وقفة احتجاجية بحضور نيابي، «لإيصال صوتنا إلى العالم أجمع، ولإيصال رسالة واضحة بضرورة دخول الجيش اللبناني إلى البلدة».
وقال: «تواصلنا مع رئيس الحكومة وزرناه على رأس وفد ضمّ أعضاء من البلدية والأهالي والمخاتير، وأطلعناه على ما يجري في البلدة». وأضاف أن رئيس الحكومة أبلغهم أن «إسرائيل لا تستجيب لأحد ولا تلتزم بالقوانين»، وأن الاتصالات جارية مع الجانب الأميركي. وتابع: «لكن، للأسف، استمر التدمير، ولم يبقَ اليوم من البلدة إلا القليل، فيما لم تنجح كل الجهود المبذولة في وقف ما تتعرض له».
وأكد مديحلي أن الدمار الذي لحق بالمنصوري «كبير جدًا»، موضحًا أن نسبته كانت تُقدّر خلال الحرب بنحو 30 في المئة، فيما ارتفعت منذ وقف إطلاق النار إلى نحو 85 في المئة،وسط استمرار عمليات التدمير وتعرّض ما تبقى من مبانٍ ومنشآت لأضرار كبيرة.
وأشار إلى أن المنصوري تعرضت أمس لقصف مدفعي عنيف، بالتزامن مع إحراق عدد من المنازل. وقال إن نسبة الدمار المرتفعة جعلت البنية التحتية في البلدة شبه مدمّرة بالكامل، مضيفًا أن الأشجار جُرفت، فيما تتواصل عمليات اقتلاع أشجار الزيتون. ولفت إلى أن المساجد والمدرسة والملاعب جُرفت، كما لحق بخزان المياه الذي يغذي المنصوري دمار كبير، مؤكدًا أن حجم الدمار الذي أصاب البلدة وبنيتها التحتية «كبير جدًا ولا يوصف».
ولفت مديحلي إلى أن وضع النازحين صعب، ولا سيما أنهم أمضوا فترة طويلة خارج بلدتهم، فيما تتزايد احتياجاتهم مع مرور الوقت. وأشار إلى أن البلدية لا تتلقى مساعدات مباشرة للنازحين، وإنما يتولى اتحاد بلديات منطقة صور وإدارة الكوارث تسجيلهم عبر المنصة المخصصة لذلك، وتأمين مساعدات عينية لهم، تشمل حصصًا غذائية وبطانيات وفرشًا ووسائد، إضافة إلى حصة غذائية شهرية.
وأكد أن عودة الأهالي ترتبط أولًا بانسحاب إسرائيل من البلدة، ودخول الجيش اللبناني إليها، وتأمين ضمانات بعدم تعرضها للقصف مجددًا. لكنه لفت إلى أن العودة، حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي، لن تكون سهلة، بل ستحتاج إلى الكثير من العمل والوقت، فالعودة تحتاج إلى مرحلة تمهيدية وأعمال كثيرة لإعادة البلدة إلى وضع يسمح بالحياة فيها.
وأمل في أن تفضي الاجتماعات التي تُعقد في روما إلى اتفاق وتفاهمات دولية تضع حدًا لهذا الوضع، مضيفًا: «نتمنى ألا يستمر الاحتلال، وأن يؤدي أي اتفاق يتم التوصل إليه إلى انسحاب القوات الإسرائيلية»، بما يتيح لأهالي المنصوري العودة إلى بلدتهم والبدء بإعادة إعمارها.
واعتبر مديحلي أن اتفاق الإطار والمسائل السياسية من اختصاص الدولة والجهات الرسمية المعنية، والبلدية لا تتدخل في هذه المسائل ولا تحدد ما ينبغي أن تقوم به الدولة على هذا الصعيد. وقال إن ما يهمنا اليوم هو «وقف الاعتداءات، وحماية الأهالي، وتأمين عودتهم إلى بلدتهم، ودخول الجيش اللبناني إليها، وانسحاب العدو من الأراضي اللبنانية». وأضاف أن المطلوب بعد ذلك أن يعود الأهالي إلى قراهم ويتمكنوا من إعادة إعمارها وتأمين مقومات الحياة فيها، «ولو في ظل ظروف صعبة». Voir moin