تتصاعد نيران الصراع الروسي-الأوكراني، وسط تحركات سياسية ودبلوماسية تهدد بإحداث زلزال جديد على الساحة الدولية.
فمن جهة، يطلق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي دعوة نارية لتغيير النظام في موسكو، بينما تشير مصادر استخبارية روسية إلى مشاورات غربية سرية حول استبداله. ومن جهة أخرى، تتعالى تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض مهلة قصيرة لوقف إطلاق النار بحلول 8 آب، وسط محاولات وزير خارجيته ماركو روبيو للتهدئة والدفع نحو حوار مع موسكو، لتفادي تحول المواجهة إلى حرب مفتوحة.
في خضم هذا التصعيد المتبادل، تعزّز روسيا مواقعها الاستراتيجية عبر توسيع تحالفاتها، بينما يعاني المعسكر الغربي من تراجع وحدة الموقف مع تصاعد الخلافات الداخلية، ما يفتح أمام موسكو فرصة لاستنزاف خصومها في مواجهة طويلة الأمد.
وسط هذا المشهد المتقلّب، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة: هل ينجح السلام أم ستستمر نار الحرب في التوهّج؟
في هذا الإطار، نستعرض مع الخبير في الشؤون الروسية والمقيم في موسكو، د. عماد الطفيلي، أبعاد التطورات الراهنة وانعكاساتها على المشهد الجيوسياسي الأوسع، فيوضح في مستهل حديثه “أن التصريحات العلنية للرئيس الأوكراني المنتهية ولايته فولوديمير زيلينسكي، التي دعا فيها إلى تغيير النظام في روسيا، تمثل تصعيدًا واضحًا في الخطاب السياسي، وتأتي في سياق محاولة لتعديل ميزان القوى الكلامي في ظل تحقيق تقدّم عسكري روسي ملموس، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية أمس تحرير مدينة تشاسوف يار الاستراتيجية في جمهورية دونيتسك، بالإضافة إلى تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مواقع الصناعة العسكرية، ومخازن الأسلحة، ومطارات في عدة مدن أوكرانية”.
ويؤكد الطفيلي أن دعوة زيلينسكي “تمثّل تدخلاً مرفوضًا في الشؤون السيادية الروسية، إذ ان النظام السياسي في روسيا شأن داخلي يقرّره الشعب الروسي وحده، الذي تظهر المؤشرات الرسمية والمزاج العام فيه دعمًا واسعًا للرئيس بوتين ولسياسة القيادة الروسية. فإذا كانت أوكرانيا وداعموها الغربيون يرفعون شعار الديمقراطية، فمن الأجدر بهم أن يبدأوا بتنظيم انتخابات رئاسية شرعية في كييف، قبل أن يطالبوا بإحداث تغييرات في أنظمة دول أخرى، إذ ان غياب الشرعية الانتخابية في أوكرانيا يشكل نقطة ضعف أساسية في أي مسار تفاوضي مستقبلي، ويضعف من قدرة زيلينسكي على توقيع اتفاق سلام يحظى باعتراف دولي واسع”.
وعن دعوة كييف لمصادرة الأصول الروسية المجمّدة واستخدامها في تمويل الحرب، يشير الطفيلي إلى أن هذه القضية “تمثّل أحد أبرز مصادر التوتر بين روسيا والدول الغربية. فقد قامت عدة دول أوروبية بعد اندلاع النزاع بتجميد أصول البنك المركزي الروسي التي تتجاوز قيمتها 260 مليار يورو، وأكثر من ثلثي هذه الأصول محتجز لدى شركة “يوروكلير”، وأكدت الخارجية الروسية موقفها بشكل حازم، معتبرة أن أي محاولة لتحويل هذه الأصول إلى موارد مالية لدعم أوكرانيا تُعدّ سرقة علنية، مشددة على أنها ستلجأ إلى السبل القانونية للدفاع عن مصالحها، وستردّ بحزم على أي إجراءات من هذا النوع. وأوروبا، بالرغم من الضغوط المتزايدة من كييف، لم تتخذ حتى الآن خطوات فعلية لمصادرة هذه الأصول، نظراً للتعقيدات القانونية والمخاوف من ردود فعل روسية انتقامية. فموسكو قد تلجأ إلى إجراءات مقابلة تشمل مصادرة أصول وأوراق مالية تخص مستثمرين أجانب داخل روسيا، تشمل سندات وأسهم وعقود مالية متنوعة، بالإضافة إلى اللجوء إلى المحاكم الدولية، مما قد يفتح جبهة مالية جديدة ضمن الصراع الجاري”.
ويدرج الطفيلي تصريحات ترامب بشأن المهلة القصيرة لوقف إطلاق النار، في إطار “تصعيد الضغط الإعلامي على موسكو وعلى بوتين تحديدًا”، ولم يعتبرها “تهديدًا فعليًا أو واقعيًا”، و”لا تؤثر على القرار الروسي ولا على سير العملية العسكرية التي تواصل موسكو تنفيذها وفق أهدافها الاستراتيجية، بغض النظر عن المواقف الغربية أو محاولات التأثير السياسي والإعلامي”.
ويوضح أن روسيا “لا تشعر بأي قلق حيال تغير ميزان القوى العسكري في أوكرانيا، رغم التصعيد الأميركي وتزايد الدعم الغربي لكييف، فهذا الدعم، مهما كان ضخمًا، لن يغير الواقع الميداني، وإنما سيُطيل أمد الحرب من دون أن يؤثر في نتيجتها، فالمعطيات الميدانية في مختلف المحاور تؤكد تفوق موسكو، التي تواصل بثقة وثبات تنفيذ أهداف عمليتها العسكرية، مستندة إلى تفوقها الاستراتيجي والميداني”.
روسيا “لا تزال تراهن بشكل كبير على تفكك وحدة الموقف الغربي إزاء الحرب في أوكرانيا”، وفق الطفيلي، معتمدة في ذلك “على استراتيجية استنزاف طويلة الأمد. فموسكو تعوّل على أن التكاليف الاقتصادية والعسكرية المتزايدة ستؤدي إلى تباينات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. وقد بدأت بالفعل بعض المؤشرات على ذلك، مع تصاعد دعوات من دول مثل سلوفاكيا والمجر لاعتماد حلول دبلوماسية بدلاً من الاستمرار في التصعيد العسكري”.
ويشار إلى أن موسكو “تستغل الشرخ المتنامي داخل الناتو، لاسيما في ما يتعلق بمدى استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، في وقت تعاني فيه دول أوروبية من نقص في مخزوناتها العسكرية وتراجع في الإرادة السياسية لمواصلة الصراع. كما تواجه بعض الحكومات الأوروبية ضغوطاً متزايدة من الشارع، بفعل تداعيات الحرب، مثل ارتفاع أسعار الطاقة وتأثير العقوبات على الاقتصادات المحلية. كل ذلك أدى إلى تحوّل في الخطاب السياسي من شعار “دعم أوكرانيا حتى النصر” إلى دعوات متزايدة لوقف إطلاق النار والتفاوض”.