مع تنامي حضور رجال الأعمال والمؤسسات اللبنانية في قبرص، تبرز الحاجة إلى إطار اقتصادي فاعل يجمع هذه الطاقات، وينظم التواصل بينها وبين الجهات الرسمية والقطاع الخاص في كل من لبنان وقبرص.
وفي هذا السياق، تكتسب إعادة تفعيل مجلس الأعمال اللبناني القبرصي أهمية خاصة، برئاسة دافيد عيسى، لما يمكن أن يشكله من منصة اقتصادية قادرة على تحويل الاستثمارات والمبادرات اللبنانية في الجزيرة إلى شراكات أوسع، وتعزيز حضور لبنان الاقتصادي في الخارج، وفتح أسواق وفرص جديدة أمام مؤسساته وشركاته.
وكان عيسى قد انتُخب رئيسًا للمجلس خلال اجتماع عُقد في غرفة بيروت وجبل لبنان في 18 آب 2026، أطلق خلاله رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير المجلس، في إطار إعادة تنشيط مجالس الأعمال اللبنانية.
وقد ولّد انتخاب دافيد عيسى رئيسًا لمجلس الأعمال اللبناني القبرصي ارتياحًا في الأوساط الاقتصادية، خصوصًا أن اللائحة التي ترأسها ضمّت مجموعة من الشخصيات والأسماء البارزة في عالم المال والأعمال والاقتصاد، بما يعكس ثقلًا اقتصاديًا وخبرة متنوعة يمكن أن تشكل ركيزة أساسية لعمل المجلس في المرحلة المقبلة.
ويُنظر إلى هذه التركيبة باعتبارها عنصر قوة للمجلس، نظرًا إلى تنوع الاختصاصات والخبرات التي تجمعها، وإلى حضور أعضائها في قطاعات مصرفية وصناعية وعقارية وتجارية وخدماتية وأكاديمية. ومن شأن هذا التنوع أن يمنح المجلس قدرة أكبر على مقاربة الملفات الاقتصادية من زوايا متعددة، والتواصل مع مختلف مكونات القطاع الخاص، سواء في لبنان أو قبرص.
كما أن وجود هذه المجموعة من الشخصيات إلى جانب عيسى يعكس، وفق أوساط اقتصادية، ثقة بالمرحلة الجديدة التي يدخلها المجلس، ويؤسس لعمل أكثر فاعلية في متابعة مصالح رجال الأعمال اللبنانيين في قبرص، وتطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
ويضم المجلس 19 عضوًا، حيث انتُخب ياسر دبوسي نائبًا للرئيس، وروجيه زكار أمينًا عامًا، وأسعد صقال أمينًا للمال، ورودولف أسمر أمينًا للسر.
توسيع المشاركة وربط الخبرات
أمام هذه التركيبة، يبرز استحقاق أساسي يتمثل في توسيع دائرة المشاركة لتشمل نخبة من رجال الأعمال اللبنانيين الناشطين في قبرص، وربط خبراتهم ضمن عمل مؤسسي منتظم وفاعل.
ويشكل تنوع النشاط اللبناني في الجزيرة، من البناء والتطوير العقاري إلى التربية والتعليم والسياحة والخدمات، قاعدة مهمة يمكن للمجلس البناء عليها لتحديد احتياجات المستثمرين، وتبادل المعلومات والخبرات، ومتابعة التحديات والعقبات التي تواجه المؤسسات اللبنانية الراغبة في التوسع في السوق القبرصية.
وبحسب المعلومات المتوافرة عن التحضيرات الجارية، يعمل عيسى على سلسلة من المشاريع والاتصالات الهادفة إلى إعطاء التعاون اللبناني القبرصي دفعًا عمليًا، من بينها التحضير للقاءات في قبرص مع شخصيات ومسؤولين قبرصيين، ورئيس غرفة التجارة والصناعة، وعدد من المسؤولين في الإدارات المعنية بالشأنين الاقتصادي والاستثماري.
وتتجه هذه التحضيرات إلى تعزيز التواصل المباشر مع مراكز القرار الاقتصادي في قبرص، بما يتيح نقل تطلعات رجال الأعمال اللبنانيين واحتياجاتهم، ويفتح المجال أمام تطوير العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين.
برنامج عمل يتجاوز العلاقات التقليدية
ويتقاطع هذا المسار مع البرنامج الذي أعلنه عيسى لدى تسلّمه رئاسة المجلس، والذي يتضمن التحضير لزيارة الهيئات الاقتصادية اللبنانية إلى قبرص، وتنظيم لقاءات مع المسؤولين والهيئات الاقتصادية ورجال الأعمال، إلى جانب دعوة وفد اقتصادي قبرصي إلى لبنان للاطلاع على فرص التعاون والاستثمار المتاحة.
كما شدد عيسى على أهمية الاستفادة من القرب الجغرافي بين لبنان وقبرص، ومن موقع الجزيرة داخل المنظومة الأوروبية، لبناء مشاريع مشتركة قادرة على خدمة مصالح القطاع الخاص في البلدين.
ولا تنطلق هذه الرؤية من فراغ، إذ إن الحضور الاقتصادي اللبناني في قبرص بات يملك نماذج ملموسة في عدد من القطاعات، ما يوفر للمجلس قاعدة عملية يمكن تطويرها وتوسيعها.
العقار والتعليم… نماذج للحضور اللبناني
في القطاع العقاري، تبرز شركات ومؤسسات يديرها لبنانيون، وتتوزع أنشطتها بين لارنكا وليماسول ونيقوسيا وبافوس. ويعكس هذا الانتشار قدرة مؤسسات يقودها لبنانيون على العمل في السوق القبرصية، وتطوير شبكة من المصالح والعلاقات الاقتصادية التي يمكن توسيعها عبر التعاون المؤسسي.
وفي قطاع التعليم، شهدت قبرص بدورها حضورًا متزايدًا لمؤسسات أكاديمية لبنانية. فقد وقّعت الجامعة الأميركية في بيروت في 8 نيسان 2022 اتفاقًا مع بلدية بافوس لإنشاء أول حرم لها خارج لبنان، إلى جانب حضور AUCY – American University of Cyprus.
ويمثل هذا الحضور بعدًا إضافيًا للعلاقات اللبنانية القبرصية، إذ لا يقتصر التعاون على الاستثمارات التجارية، بل يمتد إلى التعليم وتبادل الخبرات والمعرفة، وما يمكن أن ينشأ عنه من شراكات أكاديمية واقتصادية مع قطاعات الأعمال.
كما توفر قطاعات السياحة والضيافة والخدمات مساحة واسعة لتطوير التعاون، خصوصًا في ظل الخبرات اللبنانية المتراكمة في هذه المجالات، وموقع قبرص في شرق المتوسط.
ومن شأن جمع المستثمرين وأصحاب المؤسسات ضمن إطار اقتصادي فاعل أن يساعد في بلورة مشاريع مشتركة، وتنظيم لقاءات قطاعية متخصصة، وربط الشركات اللبنانية الموجودة في قبرص بمؤسسات لبنانية تسعى إلى التوسع الخارجي، بما يحول المجلس من إطار للتعارف إلى منصة لإنتاج علاقات أعمال مستدامة.
قبرص… البوابة الأوروبية
وتكتسب قبرص أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان بالنظر إلى موقعها داخل المنظومة الأوروبية. فالجزيرة عضو في الاتحاد الأوروبي منذ الأول من أيار 2004، وانضمت إلى منطقة اليورو في الأول من كانون الثاني 2008.
ومن شأن هذا الموقع أن يمنح التعاون اللبناني القبرصي بُعدًا يتجاوز السوق المحلية في الجزيرة، ويتيح للمؤسسات اللبنانية الاستفادة من موقع قبرص كبوابة أقرب إلى الأسواق والشركاء الأوروبيين.
أما انضمام قبرص إلى منطقة شنغن، فلا يزال مسارًا قيد الاستكمال، وفق المعلومات الرسمية الأوروبية، إذ لم تُلغَ بعد الرقابة على الحدود الداخلية بين قبرص والدول الأعضاء في منطقة شنغن بقرار من مجلس الاتحاد الأوروبي.
وفي حال اكتمال هذا المسار، من المتوقع أن يسهم في تسهيل حركة التنقل بين قبرص ودول شنغن، بما قد ينعكس إيجابًا على حركة الأعمال والسياحة والزيارات المهنية والتواصل بين رجال الأعمال.
من الحضور اللبناني في الخارج إلى دعم الاقتصاد في الداخل
وتكمن المصلحة اللبنانية الأساسية في أن يترافق هذا التوسع الخارجي مع انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المحلي، عبر تشجيع الشراكات التي تستفيد من الخدمات والخبرات والمنتجات اللبنانية، وفي الوقت نفسه استقطاب اهتمام المستثمرين القبارصة بالفرص المتاحة في لبنان.
فنجاح المؤسسات اللبنانية في الخارج يمكن أن يشكل رافعة للنشاط الاقتصادي في الداخل عندما يقترن بشراكات تجارية وإنتاجية واضحة، وقنوات متابعة تضمن استمرارية العلاقات وتحوّلها إلى مشاريع واستثمارات فعلية.
ومن هنا، تبدو أمام دافيد عيسى ومجلس الأعمال اللبناني القبرصي فرصة لبناء مرجعية اقتصادية فاعلة للحضور اللبناني في قبرص، تجمع المستثمرين، وتتابع مصالحهم، وتنسّق التواصل مع الجهات الرسمية والاقتصادية، وتفتح الطريق أمام مشاريع جديدة.
وفي مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى توسيع شبكة علاقاته الاقتصادية الخارجية وتنويعها، يمكن للعلاقة مع قبرص أن تشكل متنفسًا قريبًا وشريكًا استراتيجيًا، خصوصًا في ظل القرب الجغرافي والموقع الأوروبي للجزيرة.
ويبقى التحدي الأساسي في تحويل هذا التقارب إلى مشاريع ملموسة وشراكات مستدامة، بما يجعل من مجلس الأعمال اللبناني القبرصي أداة فاعلة لتعزيز مصالح القطاع الخاص في البلدين، وربط الاستثمارات اللبنانية في قبرص بفرص أوسع داخل أوروبا.
تركيبة المجلس
يتألف مجلس الأعمال اللبناني القبرصي من شخصيات اقتصادية ورجال أعمال من قطاعات متعددة، ويتولى دافيد عيسى رئاسة المجلس، فيما يشغل ياسر دبوسي، المدير المنتدب لمجموعة دبوسي، منصب نائب الرئيس؛ وروجيه زكار، مؤسس «كومين» للتأمين، منصب الأمين العام؛ وأسعد صقال، نائب رئيس مجلس إدارة «صقال للصناعات»، منصب أمين المال؛ ورودولف أسمر، مدير تطوير الأعمال في مجموعة «ألوستيل»، منصب أمين السر.
ويضم المجلس في عضويته الشيخ غسان عساف، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيروت والبلاد العربية؛ ونديم قبوات، نائب المدير العام لبنك «سوسيتيه جنرال في قبرص وعمان »؛ ويونان يونان، المدير العام لقطاع السلع الاستهلاكية في مجموعة «فتال»؛ وروي أسمر، رئيس مجلس إدارة «ألوستيل»؛ وروي شهوان، الرئيس التنفيذي لـ«بلاس هولدينغ»؛ وباسكال إلياس سعد، الرئيسة التنفيذية لشركة «ESLA» للتطوير؛ وتاتيانا هاشم، مديرة في شركة «فيدوس»؛ وناجي شاهين، صاحب مؤسسة «موزار شاهين» للموسيقى؛ ومارون شراباتي، مؤسس جمعية «بيئتنا»؛ والخبير الاقتصادي والمالي وليد أبو سليمان.
كما يضم المجلس ايضاً رجال الأعمال محمد أبو درويش، وزياد محمد زيدان، وجهاد خليل العرب، والدكتور جورج مفرج، وغادة عبود.
المصدر : Transparency News