دخل ملف عودة النازحين السوريين من لبنان إلى بلادهم خلال الأشهر الماضية مرحلة أكثر تنظيماً، رغم أنّه لا يحتلّ الأولوية بالنسبة إلى النظام السوري الجديد، بل ملف الموقوفين في السجون اللبنانية. لكن السؤال الأهم يبقى: هل الخطوات كافية للتحوّل من الوعود إلى عودة دائمة ومستدامة؟ وهل من حوافز تُشجّع السوريين على العودة إلى بلادهم، مقارنة مع ما تقوم به بعض الدول الأوروبية، لا سيما الدنمارك التي تحدّثت المعلومات المؤكّدة عن أنّها رفعت المبلغ، الذي يُدفع للعائلة السورية الواحدة مقابل العودة، من 27 إلى 38 ألف يورو، مع منح مبلغ إضافي عن كلّ ولد يصل إلى 15 ألف يورو. والحديث بالتالي عن سنة تجريبية للعائدين، وعن استمرار الدفع على مدى الأربع السنوات المقبلة؟
منذ انطلاق “الخطة المنظّمة للعودة الطوعية” في 1 تموز الفائت، على ما تقول مصادر سياسية مطّلعة، تحوّلت عمليّات العودة من طابعها الفردي، نحو مبادرات منسقة بين الحكومة اللبنانية والأمن العام والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين ومنظمة الهجرة الدولية. وتشير الأرقام الدولية المتداولة إلى العديد من حالات العبور والعودة، منذ كانون الأول من العام الماضي حتى تشرين الجاري. وثّمة معلومات عن عودة عدد كبير من النازحين السوريين من عرسال إلى سوريا، فمن أصل نحو 200 ألف كانوا يسكنون في المخيم، بات عددهم اليوم لا يتعدّى الـ 50 ألفا.
لا تزال العودة خجولة، على ما ترى المصادر، رغم أنّها تدريجية، قياساً بالحجم الهائل لعدد النازحين السوريين الذي يتخطّى المليونين، والذي أرهق اقتصاد لبنان وموارده ومجتمعه. وفيما أعلن التقرير الأخير للمفوضية في تموز الفائت، أنّ عدد العائدين ارتفع إلى نحو 200 ألف نازح، بدت الأرقام الرسمية أكثر تفاؤلا، إذ أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية أخيراً أنّ نحو 341 ألف نازح سوري عادوا إلى سوريا. في الوقت الذي لم تضمّ قوافل العودة المنظّمة، سوى أقلّ من مئة نازح في كلّ منها، ليس أكثر.
ولكن رغم ذلك، لا يُمكن معرفة العدد الدقيق للعائدين، ولا عدد النازحين السوريين المتبقين في لبنان حتى الآن، على ما تلفت المصادر، سيما وأنّ البيانات المتاحة تُظهر تناقضات في تقدير الأعداد، إلى جانب عدم إمكانية إحصاء عدد الخارجين والداخلين، عن طريق المعابر غير الشرعية، التي تسعى الحكومة إلى مراقبتها بشكلٍ أدقّ بينها وبين سوريا في المرحلة المقبلة، وآخرهم “التيكتوكر الإسرائيلي” الذي وصل إلى بيروت، كما عُلم، من سوريا عبر معبر غير شرعي.
وعلى المستوى الدولي، تجد المصادر أنّ المجتمع الدولي لا يزال حتى الساعة، يحذّر من أي “عودة قسرية”. ويطالب بالتالي بربط أي برنامج لإعادة السوريين، بتحسين الأوضاع داخل سوريا أولاً، بما يشمل إعادة الإعمار الجزئي، وضمان الخدمات الأساسية وتخفيف العقوبات. وقد عمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إلغائها بشكل نهائي، خلال اللقاء الذي جمعه أخيراً بالرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، الأمر الذي يُلغي هذه الذريعة الدولية برمّتها.
وهذه المقاربة أثارت امتعاضاً لبنانياً رسمياً، إذ يعتبر لبنان أنّ المجتمع الدولي يكتفي بالدعم الإنساني المالي، بينما تتحمّل الدولة الكلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأزمة النزوح. في الوقت الذي تقوم فيه الدول الأوروبية، ببحث جدّي لمسألة إعادة اللاجئين السوريين منها إلى بلادهم، مثل ألمانيا التي تحدّثت عن ترحيلها كلّ اللاجئين السوريين المرتكبي جرائم من دون أي مناقشات، والدنمارك التي تدفع مبالغ طائلة لتشجيعهم على العودة، كونهم لم يتمكّنوا من الإندماج في المجتمعات الأوروبية المضيفة، إن لناحية اللغة أو الدراسة أو العمل.
ولأنّ استضافة النازحين السوريين في لبنان على مدى أكثر من 14 عاماً، قد كلّف الدولة اللبنانية المنهارة إقتصادياً ومالياً، أكثر من 40 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الدولي، وتخفيفاً لهذا العبء الإضافي الذي استنزف الخدمات العامة والإقتصاد المحلّي ولا يزال، لا بدّ من تسريع خطوات العودة، تقول المصادر، ومن البحث في الآلية المجدية مع الجانب السوري، الذي أرسل وفداً إلى لبنان لحلّ الملفات العالقة بين البلدين، وأعطى ضمانات أمنية للعائدين.
وتبقى العقبة الأساسية اليوم، وفق المصادر، غياب التمويل الدولي الكافي لبرامج إعادة الإدماج داخل سوريا، وهو ما يجعل الكثير من العائدين “يعودون مجدداً إلى لبنان” بعد أشهر، بسبب غياب فرص العيش والخدمات الأساسية.
من هنا، إنّ عملية عودة النازحين السوريين من لبنان، تبقى حتى الساعة بطيئة ومتقطعة وخجولة، ورهن التفاهمات السياسية والتمويل الدولي، أكثر ممّا هي قرار لبناني ـ سوري صرف. ومع أن الخطاب الرسمي يزداد تفاؤلاً، إلّا أنّ الأرقام المتفاوتة والوقائع الميدانية، تؤكّد على أنّ التحوّل من الوعود إلى العودة المستدامة، ما زال يحتاج إلى ضمانات دولية واستراتيجية لبنانية– سورية متكاملة تتجاوز الشقّ الأمني إلى الاقتصادي والاجتماعي.