في لحظة بدت شديدة الدلالة، لم تعد قصة إنقاذ الطيار الأميركي الذي أُسقطت طائرته في جنوب إيران مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل تحوّلت إلى نافذة تكشف جانبًا من طبيعة التقنيات الاستخباراتية التي تمتلكها الدول الغربية، وهي تقنيات لطالما أثارت أسئلة كبرى في لبنان، ولا سيما حول الكيفية التي كانت تتمكن عبرها إسرائيل من اصطياد المقاومين والقيادات في حزب الله، بل والإعلان أحيانًا عن نجاح الاغتيال قبل وصول الحزب إلى جثامين الشهداء، أو حتى قبل التأكد من هوية المستهدفين.
وفي هذا السياق، تكتسب المعلومات الجديدة عن استخدام وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) تقنية متطورة للغاية تحمل اسم “Ghost Murmur” أهمية استثنائية، لأنها لا تضيء فقط على تفاصيل إنقاذ الطيار الأميركي، بل تفتح أيضًا الباب أمام فهم أوسع لمنهجية الرصد والتعقب والاغتيال، التي تقوم على أدوات تكنولوجية تتجاوز بكثير ما هو مُعلن.
ففي عملية وُصفت بالدقيقة والمعقدة، كشفت معلومات جديدة عن استخدام وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) تقنية متطورة للغاية تحمل اسم “Ghost Murmur”، ساهمت في تحديد موقع وإنقاذ طيار أميركي أُسقطت طائرته في جنوب إيران، في سابقة تُعد الأولى من نوعها ميدانيًا لهذه التكنولوجيا.
وبحسب تقرير للصحافي Steven Nelson في New York Post، تعتمد هذه الأداة السرية على تقنية “المغناطيسية الكمومية بعيدة المدى”، التي تتيح رصد الإشارة الكهرومغناطيسية الناتجة عن نبض قلب الإنسان، قبل أن تتولى برمجيات الذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات وعزلها عن الضوضاء المحيطة.
ووصفت المصادر المطلعة على البرنامج الآلية بأنها أشبه بـ”سماع صوت داخل ملعب يمتد على ألف ميل مربع”، مضيفة: “في الظروف المناسبة، إذا كان قلبك ينبض، سنعثر عليك”.
الطيار، الذي عُرف باسم “Dude 44 Bravo”، كان قد لجأ إلى شق صخري في منطقة جبلية بعد إسقاط طائرته من طراز F-15 أواخر الأسبوع الماضي، حيث أمضى يومين في تضاريس قاسية بينما كانت القوات الإيرانية تمشّط المنطقة بحثًا عنه، مع رصد مكافأة مقابل العثور عليه.
ورغم أن الطيار فعّل جهاز تحديد الموقع من تصنيع Boeing، بقيت إحداثياته غير واضحة لفرق البحث والإنقاذ، إلى أن لعبت تقنية “Ghost Murmur” دورًا حاسمًا في رصده. وأوضح أحد المصادر أن خروجه من مخبئه لإرسال الإشارة كان عاملًا مهمًا، قائلًا: “لم تكن الإشارة بحد ذاتها هي الأهم، بل اضطراره إلى الخروج لإرسالها”.
التكنولوجيا، التي طُوّرت داخل وحدة “Skunk Works” التابعة لشركة Lockheed Martin، لم تُستخدم سابقًا في الميدان، رغم أنها خضعت لاختبارات ناجحة على مروحيات Black Hawk، مع خطط مستقبلية لاستخدامها في طائرات F-35. وقد امتنعت الشركة عن التعليق على هذه المعلومات.
وأشار مصدر آخر إلى أن البيئة الصحراوية المفتوحة شكّلت “ظروفًا مثالية” لتجربة هذه التقنية، بسبب انخفاض التداخل الكهرومغناطيسي وغياب إشارات بشرية منافسة، إضافة إلى التباين الحراري بين جسم الإنسان والأرض ليلًا، ما وفر طبقة تحقق إضافية.
ورغم هذا التقدم، أكدت المصادر أن قدرات النظام ليست مطلقة، إذ يعمل بشكل أفضل في المناطق النائية ذات الضوضاء المنخفضة، ويتطلب وقتًا لمعالجة البيانات، من دون توضيح مدة هذا الوقت أو إمكانية استخدامه في عمليات هجومية مستقبلًا.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومدير الـCIA جون راتكليف ألمحا إلى هذه القدرات خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، حيث قال راتكليف إن الوكالة “حققت هدفها الأساسي عبر تحديد وتأكيد أن أحد أفضل الجنود الأميركيين كان حيًا ومختبئًا داخل شق جبلي، غير مرئي للعدو، لكن ليس للـCIA”.
وأضاف أن هذا التأكيد نُقل إلى وزير الحرب Pete Hegseth، الذي أبلغه بدوره إلى الرئيس، ما سمح بالانتقال سريعًا إلى مرحلة تنفيذ عملية الإنقاذ.
ترامب بدوره أشار إلى أن الطيار رُصد من مسافة 40 ميلًا، من دون توضيح ما إذا كان الرقم دقيقًا أو يشير إلى مرحلة محددة من العملية، واصفًا المهمة بأنها “كالبحث عن إبرة في كومة قش”، ومشيدًا بأداء الـCIA بقوله إنها “كانت مذهلة في العثور على هذا الهدف الصغير”.
العملية العسكرية التي شارك فيها مئات الجنود الأميركيين شهدت أيضًا تعقيدات ميدانية، إذ علقت طائرتا إنقاذ في موقع الهبوط، ما استدعى إرسال طائرات إضافية وتدمير الطائرتين العالقتين، من دون تسجيل أي خسائر بشرية أميركية.
اللافت أن الطابع السري للتقنية بقي حاضرًا حتى بعد نجاح المهمة، إذ أشار أحد المصادر إلى أن “سبب الحذر الشديد بشأن كيفية العثور على الطيار هو أن هذه التكنولوجيا لم يكن يُعتقد أصلًا أنها ممكنة على هذا النطاق”.
ومن هنا تحديدًا، يصبح الربط مع لبنان أكثر حساسية ووضوحًا. فالتجربة اللبنانية مع الاغتيالات، وخصوصًا تلك التي استهدفت قيادات في حزب الله، لطالما حملت عنصرًا غامضًا يتجاوز التفسير التقليدي القائم على الاختراق البشري أو الرصد الميداني المباشر.
في أكثر من محطة، برز مشهد لافت: إسرائيل تعلن تنفيذ عملية اغتيال، أو تشير إلى إصابة هدف محدد، قبل أن يتمكن حزب الله نفسه من تأكيد هوية المستهدف أو الوصول إلى موقع الغارة بشكل كامل. هذا ما حصل في حالات متعددة، حيث سبق الإعلان الإسرائيلي المعطيات الميدانية، ما طرح علامات استفهام جدية داخل لبنان حول مستوى الدقة الاستخباراتية المستخدمة.
هذا النمط لم يقتصر على حالة واحدة، بل انسحب على عدة قادة، حيث بدت إسرائيل في بعض الأحيان وكأنها تمتلك “يقينًا أوليًا” حول نتائج الضربات، قبل أن تتبلور الصورة الكاملة على الأرض.
هنا تحديدًا، تكتسب تقنية مثل “Ghost Murmur” دلالتها. فالمسألة لم تعد تقتصر على تتبع الاتصالات أو تحركات الهواتف أو المُسيّرات، بل تتجاوز ذلك إلى رصد إشارات بيولوجية دقيقة، كنبض القلب، ودمجها مع تحليل بيئي ومعطيات استخباراتية أخرى. هذا النوع من التكنولوجيا، إذا وُضع في سياق العمليات العسكرية، يفتح فرضية مختلفة: إمكانية تحديد وجود شخص حي داخل موقع معين، حتى في حال اختفائه الكامل عن الرصد التقليدي.
وبالتالي، فإن ما كشفته عملية إنقاذ الطيار الأميركي في إيران لا يقدّم دليلًا مباشرًا على استخدام هذه التقنية في لبنان، لكنه يسلّط الضوء على مستوى الأدوات المتاحة لدى الدول الغربية، والتي قد تكون إسرائيل جزءًا من منظومتها أو مستفيدة منها بشكل أو بآخر.
فحين تصبح دقات القلب نفسها قابلة للرصد من مسافات بعيدة، تتغير قواعد الاختباء، وتتبدل معايير الأمان، ويغدو السؤال أكثر إلحاحًا: كم من الاغتيالات التي نُسبت إلى تفوق استخباراتي تقليدي كانت، في الحقيقة، ثمرة منظومات تكنولوجية لم يُكشف عنها إلا الآن؟